خرج القادة الأوروبيون من اجتماعهم في العاصمة البلغارية صوفيا، متوافقين على «مقاربة موحدة» إزاء سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تضمّنت إقرار اتخاذ خطوات عملية للمواجهة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أوروبي أن قادة ورؤساء حكومات الاتحاد الأوروبي اتفقوا على الاستمرار في دعم الاتفاق النووي مع إيران والحفاظ عليه، «طالما استمرت إيران في احترامه». والأهم في ما نقله المصدر أن المجتمعين في صوفيا أقروا «بدء أعمالهم لحماية الشركات الأوروبية من القرار الأميركي». وزاد المصدر أن الأوروبيين سيقومون في الوقت نفسه بالرد «على المخاوف الأميركية حيال الدور الإقليمي لإيران وبرنامجها للصواريخ الباليستية».

وعلى هامش اجتماع العاصمة البلغارية، أجرى قادة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، اجتماعاً لبحث قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الجديدة على إيران. ووفق متحدثة باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، فإن ماي وكلاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، اتفقوا على «التزامهم الصارم بضمان الإبقاء على الاتفاق، وأكدوا أهميته لأمننا المشترك»، وتعهدوا «بالعمل مع العديد من أطراف الاتفاق من أجل تحقيق ذلك».
كل هذه الاتصالات والمشاورات أفضت إلى اتفاق أوروبي على بدء الأخذ بإجراءات تحمي الشركات الأوروبية التي تريد العمل في إيران، والتصدي للعقوبات الأميركية. ولهذا الغرض، كشف رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في اختتام قمة صوفيا، أنه سيتم إطلاق «قانون التعطيل» ابتداءً من اليوم الجمعة. ويقصد يونكر بـ«التعطيل» الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي عام 1996 لمواجهة عقوبات أميركية ضد عدد من الدول، في مقدمها كوبا، وهو أداة تتيح للشركات والمحاكم في أوروبا أن لا تخضع لقوانين تتعلق بعقوبات اتخذتها بلدان من خارج الاتحاد، وعدم تطبيق أي حكم مقرر من محاكم أجنبية بناء على قوانين العقوبات هذه.
وقال رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جينتيلوني، على هامش قمة صوفيا: «اتفق قادة الاتحاد (الأوروبي) على بلورة أدوات لحماية الشركات الأوروبية التي تستثمر في إيران بناء على الاتفاق (النووي) من العقوبات الأميركية»، من دون أن يشير إلى تفاصيل أكثر بخصوص الإجراءات وطبيعتها. إلا أن جينتيلوني أكد أن الاجتماع تمخض عنه «توافق سياسي قوي جداً بين جميع دول الاتحاد الأوروبي». من جهتها، اكتفت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أثناء وجودها في صوفيا، بالقول لوسائل الإعلام إن «كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تزال تدعم هذا الاتفاق على رغم قرار الولايات المتحدة بعدم دعمه. سنواصل محادثاتنا مع الولايات المتحدة». أما رئيس الوزراء الهندي، مارك روته، فقد عبّر بوضوح أكثر عن السخط الأوروبي على سياسات التفرد الأميركية، معتبراً أن قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي «أمر سخيف»، فواشنطن «تقوم بأعمال... بمفردها، من دون النظر إلى حلفائها، وهذا سيء».

يخشى الأوروبيون حلول الشركات الصينية محل الشركات الأوروبية


وبحسب تعليقات عدة من خبراء على إطلاق «قانون التعطيل»، فإن التسوية الأوروبية مشكوك في فاعليتها، نظراً إلى أن الحالة الكوبية كانت مختلفة، وبقيت في الإطار السياسي، ولم يُختبر الجانب التجاري منها بالقدر الكافي. إذ يرى البعض أن تأثيرها «يمكن أن يكون رمزياً أكثر منه اقتصادياً». وفي حال استمرت المواجهة الأوروبية لقرار ترامب بالمستوى الخجول، فإن الخسارة التي بدأت تظهر على سوق الاستثمارات في إيران ستكون خسارة مزدوجة بالمنظار الأوروبي، من خلال حلول الشركات الصينية مكان الاستثمارات الأوروبية، بالتالي زيادة نفوذ بكين في المنطقة على حساب المصالح الغربية، كما بدأ يحذر دبلوماسيون أوروبيون. وعبّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، بصراحة عن هذه المخاوف، محذراً من أن «العواقب غير المباشرة للقرار الأميركي ستعزز موقعي روسيا والصين في المنطقة وبالتالي شركات البلدين». وقال ماكرون إن «أولويتي هي القيام بكل ما يمكن لانفتاح المجتمع الإيراني»، محاولاً التأكيد على أن «المصالح التجارية» ليست أولوية، مضيفاً أن «المسألة أولاً جيوسياسية. لن نصبح حلفاء لإيران ضد الولايات المتحدة. ولن نشن حرباً تجارية مع الولايات المتحدة في شأن إيران، كما لن نفرض عقوبات مضادة على شركات أميركية».
مخاوف سرعان ما بدأت تتحقق، وأولى ترجماتها كان حلول الشركة الصينية الوطنية للنفط (سي أن بي سي) محل شركة «توتال» الفرنسية التي ألغت مشاركتها في المرحلة 11 من مشروع «حقل بارس» للغاز جنوب إيران، إضافة إلى تنفيذ موسكو وعدَها بتوقيع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي اتفاقاً مع إيران يهدف إلى إقامة منطقة للتبادل الحر. وأعلن وزير النفط الإيراني، بيجان زنغنة، أمس، أن الشركة الصينية ستحلّ محل «توتال» التي أكدت أنها لن تواصل أنشطتها «إذا لم تحصل على إعفاء من قبل الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن طهران لن تتحمل خسائر «توتال»، وهي نفقات بعشرات ملايين الدولارات. وألمح الوزير الإيراني إلى أنه في حال انسحاب الشركة الفرنسية أيضاً، فإن المشروع لن يتوقف بل ستواصله شركة «بتروبارس» الإيرانية. وانضمت، أمس، مجموعة «ميرسك تانكرز» الدنماركية إلى «توتال» في إبداء نية إيقاف الأنشطة في إيران، والتي تتضمن تنفيذ اتفاقات مبرمة لتصدير واستيراد منتجات نفطية. ولفتت المجموعة إلى أنها ستعمل على إنجاز اتفاقاتها بحلول الرابع من تشرين الثاني «كما تفرض العقوبات الأميركية».