لا شيء في الولايات المتحدة يثبت أن الرئيس دونالد ترامب يكتفي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. الانسحاب، وتفعيل العقوبات، وإضافة عقوبات جديدة، خطوات تمهّد لما هو آت. لا تزال سياسة الإدارة الحالية، حتى اليوم، تركّز على مبدأ تجفيف القدرات الاقتصادية لإيران، وضرب حصار على طهران يجبرها على تعديل سياساتها الخارجية. وحتى تحقيق التنازل الإيراني أمام المطالب الأميركية، لا يوفّر فريق ترامب وسيلة ضغط على الجمهورية الإسلامية.

هذا المسار الأميركي التصعيدي بلغ أمس ذروته مع الإعلان عن تشكيل «تحالف دولي» لمجابهة «نشاطات طهران المزعزعة للاستقرار»، في تأكيد على أن العقوبات الاقتصادية مقدمة للتحشيد ضد نظام طهران «المتمرد». والجدير ذكره أن طرح فكرة تشكيل التحالف تُعدّ باكورة عمل وزير الخارجية الأميركي الجديد، مايك بومبيو، وأول مبادرة له منذ تسلّمه منصبه خلفاً لريكس تيلرسون. تتعمّد واشنطن إشعار طهران بأن «الحرب» عليها تأخذ منحى تصاعدياً متدرجاً، عبر الإعلان بصورة شبه يومية عن عقوبات جديدة أو قائمة حظر تطاول مؤسسات إيرانية أو جهات تُعدّ حليفة لإيران. سياسة الفريق الجديد من حول ترامب، ومحورية الملف الإيراني في اهتماماته، تشير إلى وجهة واحدة: مواجهة إيران قرارٌ اتُخذ أميركياً ولا رجعة عنه قبل إقرار الإيرانيين بضرورة تراجعهم عن سياساتهم في المنطقة، والانكفاء عن التدخل في الملفين الفلسطيني والسوري، في الحد الأدنى.

حذرت روسيا من أن يكون الانسحاب الأميركي مرتبطاً بخطط لمهاجمة إيران


وفي هذا الإطار، كشف مستشار وزارة الخارجية الأميركية، بريان هوك، أن وزير الخارجية سيركز في خطاب له الاثنين المقبل على إيران، مضيفاً: «نريد بشدة أن يكون لدينا نوع من الدبلوماسية النشطة... دبلوماسية مركزة وصلبة لتحقيق أهدافنا المتعلقة بالأمن القومي». وأوضحت المتحدثة باسم الخارجية، هيذر ناورت، أن أول خطاب لبومبيو حول السياسة الخارجية سيتضمن شرحاً لفكرة إنشاء «تحالف دولي» ضد إيران و«أنشطتها المزعزعة للاستقرار»، مُشبِّهةً التجربة بالتحالف ضد تنظيم «داعش»، من دون أن توضح ما إذا كان ثمة شق عسكري في التحالف المزمع تشكيله. وتابعت ناورت: «سنجمع بلداناً كثيرة من حول العالم لهدف محدد هو مراقبة النظام الإيراني من خلال منظور أكثر واقعية، ليس من خلال منظور الاتفاق النووي فقط، بل من خلال كل أنشطته المزعزعة للاستقرار»، التي اعتبرت أنها «لا تشكل تهديداً للمنطقة فحسب، بل للعالم أجمع».
وبالتوازي مع استحضار أدوات المواجهة وتفعيلها بوجه طهران، تترك واشنطن الباب مفتوحاً لخضوع الإيرانيين أمام مطالب البيت الأبيض. فبالعودة إلى تصريحات هوك، أكد المسؤول الأميركي أن بلاده تريد التوصل إلى «نتيجة دبلوماسية» مع إيران، وقال إن «جهودنا تستهدف ممارسة كل الضغوط اللازمة على إيران لتغيير سلوكها وللسعي إلى إطار عمل جديد يمكن أن يبدد مخاوفنا».
التحالف «الترامبي» ضد إيران يفترض أن يستقطب كلاً من إسرائيل والسعودية كعضوين بديهيين، لكن المراد منه انضمام الدول الأوروبية بصورة أساسية، لجعل إجراءات الحصار والمعاقبة أكثر فاعلية. وهو ما يعني توريط الأوروبيين أكثر فأكثر بعد الصفعة التي وجهها ترامب للاتفاق النووي. وبعد ظهور الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن اتخاذ إجراءات ناجعة لحماية الاتفاق، سيكون المطلب الأميركي من الأوروبيين الانضمام إلى خطوات مناهضة لإيران، فضلاً عن عدم عرقلة العقوبات الأميركية أحادية الجانب. كل الإجراءات التي أعلنت عنها المفوضية الأوروبية، أمس، وأساسها تفعيل قانون «التعطيل»، لا تبدو قادرة على إيقاف حملات خروج المصارف والشركات من إيران هذه الأيام، وآخرها مجموعة «إنجي» الفرنسية للطاقة وبنك «دي زد» الألماني.
وعلى رغم إعلان صوفيا، وتأكيد المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في محادثاتها مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس، الالتزام بالاتفاق النووي، فإن الأيام المقبلة ستكون أمام اختبار أصعب لمدى صمود الاتفاق النووي، خصوصاً بعدما انكشف أن خطوة «تمزيق» ترامب للاتفاق إنما هي في سياق حملة تصاعدية لمواجهة مع إيران تبدأ بعزلها. وهذا ما يجعل الأنظار تتجه إلى طبيعة التحالف الدولي المزمع تشكيله ضد طهران، وانخراط الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق في التحالف، ومن جهة أخرى رد الفعل الإيراني المرتقب على عجز الأوروبيين عن بلورة سياسة مستقلة عن واشنطن. كل ذلك يضع الجميع أمام تحديات استثنائية في معركة بدأت معالمها بالتشكل منذ إعلان ترامب الانقلاب على الاتفاق، لتَمثُل أخطاراً جمة كان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الأشد وضوحاً في التعبير عنها بالقول: «نأمل في أن يكون قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي غير مرتبط بخطط لمهاجمة طهران».