دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو نموذجان عن مستوى الضحالة والانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه قطاعات معتبرة من النخب الحاكمة أو المرشحة للحكم في الرأسماليات البرلمانية. هذا التطور وثيق الصلة بالتحولات التي طرأت على الرأسمالية بعد دخولها في طورها النيوليبرالي والطغيان غير المسبوق لمصالح طبقة الأعمال، المتداخلة إلى حد الاندماج في بعض الأحيان، مع مصالح النخب الحاكمة. ومن النادر أن تم في زمن قريب هذا القدر من الإخضاع للسياسة الخارجية للدول لاعتبارات النخب الحاكمة الداخلية، السياسية والانتخابية، المرتبطة برغبتها بالبقاء في السلطة عبر تأمين شروط إعادة انتخابها وتعزيز سيطرتها على مؤسساتها. الاعتبارات والحسابات السياسية الداخلية للنخب كانت دائماً حاضرة في صناعة السياسة الخارجية، لكن العوامل الأكثر تأثيراً في هذه العملية كانت المصالح العليا للدولة، محطّ الإجماع الوطني الأغلبي، والاستراتيجية العامة الهادفة للدفاع عنها وخدمتها. ترامب ونتنياهو يقدمان مثالاً حيّاً عن كيفية توظيف السياسة الخارجية، بما فيه افتعال الصراعات والسير على حافة هاوية الحرب، لرفع معدلات شعبيتهما وتحصين موقعهما في رأس هرم السلطة.

على عكس نتنياهو، ليس للرئيس الأميركي قناعات أيديولوجية راسخة. ميوله العنصرية واليمينية، الواسعة الانتشار في أوساط وازنة من المجتمع الأميركي، لا ترقى إلى مستوى القناعات المؤسسة للمواقف والسياسات. هدفه المركزي هو البقاء بالسلطة لمدة عهدين، إن كان الأمر ممكناً، واعتماد السياسات ونسج التحالفات والقيام بالمقايضات الضرورية لمحاولة بلوغه. حرصه الشديد على الظهور بمظهر الرئيس الذي يفي بجميع وعوده التي قطعها قبل الانتخابات يوضح هذا الأمر بجلاء، والقرارات التي اتخذها في مجال السياسة الخارجية أتت تلبيةً لهذه الوعود الموجهة إلى قطاعات مختلفة من ناخبيه. فقراره بنقل السفارة الأميركية إلى القدس أو بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران موجه أساساً إلى الكتلة الأوسع من ناخبيه، أي أنصار التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة التي تراوح أعدادهم حسب التقديرات بين ثمانين وتسعين مليون شخص، ولأنصار اللوبي الإسرائيلي وكذلك لمجموعة من أصحاب المليارات اليهود الصهاينة، كشلدون أدلسون وبول سنغر، التي مولت حملته الانتخابية. خطابه التصعيدي ضد الصين موجه إلى قطاعات من الصناعيين، وكذلك من الطبقة العاملة البيضاء والفئات الشعبية المتضررة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لمنافسة الصناعات الصينية لها. ومن الطبيعي أن تثير إعادة صياغة السياسة الخارجية حسبما «يطلبه الناخبون» معارضة أوساط لا يستهان بها من بيروقراطية المؤسسات المعنية بها كالخارجية والدفاع والأمن. سرعت هذه المعارضة بداية عملية تطهير للمؤسسات المذكورة عبر إقالة أو تهميش المعترضين وتعيين الموالين بدلاً منهم. يشير الكاتب إيفان أوسنوس، في مقالة مهمة نشرت في مجلة «نيويوركر»، إلى أن «أي رئيس جديد يحاول أن يجتذب، وأن يقنع وفي بعض الأحيان أن يجبر جهاز الدولة الفيدرالي على وضع رؤيته موضع التنفيذ. لكن ترامب وصل إلى واشنطن مع الوعد بتفكيك المنظومة السياسية السائدة فيها واستئصال مكوناتها وإعادة بنائها، مستنداً إلى مكونات جديدة. لهذا المشروع تسميات مختلفة: ستيفن بانون أطلق عليه تسمية تفكيك الدولة الإدارية... في تغريدات الرئيس وصف بأنه الحرب على الدولة العميقة». ويستشهد أوزنوس بموظفة كبيرة في وزارة الخارجية تقاعدت أخيراً، نانسي الداوني، قارنت بين ما يجري وقيام قوة خارجية معادية بالاستيلاء على السلطة فبدأت بقطع رأس القيادة وبتفتيت مراكز القرار والقوة وعزلها وبإشاعة الخوف والشك بين الجميع. وختمت قائلة: «لقد قام ترامب وفريقه بكل ذلك». في ضوء هذه المعطيات، تتخذ عمليات إقالة الوزراء والمسؤولين أبعاداً أخرى. نحن أمام عملية استبدال للنخب التي حكمت الولايات المتحدة بنخب أخرى، صاحبة ميول أو قناعات أكثر يمينية وعنصرية، وهو أمر سيكون له نتائج مباشرة على سياسستها الخارجية. عملية التطهير/ الاستبدال ماضية داخل وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية، لكنها لم تبدأ إلى الآن داخل المؤسسة العسكرية. عندما تصل إليها، قد يكون الأمر بداية العدّ العكسي للشروع في مغامرات عسكرية خارجية جديدة.
مثال آخر على كيفية توظيف السياسة الخارجية واستراتيجية التوتر لخدمة أغراض سياسية وانتخابية داخلية ورفع معدلات الشعبية أولاً يقدمه سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
منذ انتخابه للمرة الرابعة، عام 2015، كثرت التوقعات بانهيار حكومته نتيجة استقالة وزراء والخلافات السياسية بين مكوناتها. وقد زاد الوضع سوءاً توصية الشرطة الإسرائيلية للمدعي العام بتوجيه الاتهام إليه في أربع قضايا فساد مختلفة خلال العام الماضي. وكان قد سبق له أن واجه ظرفاً سياسياً حرجاً عندما نمت حركة احتجاج اجتماعي وتوسعت واستمرت لبضعة أشهر عام 2011، وهي تزامنت مع تدهور علاقاته الشخصية مع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ما حدا العديد من المراقبين إلى ترجيح تراجعاً كبيراً في معدلات شعبيته وقرب خروجه من السلطة. إلا أن نتنياهو كذّب جميع هذه التوقعات وحافظ على معدلات شعبية مرتفعة نسبياً نتيجة لمواقفه وسياساته المتشددة تجاه الفلسطينيين وأطراف محور المقاومة. وقد أفضى خلافه العلني مع أوباما حول الاتفاق النووي مع إيران وقيامه بحملة واسعة ضده حتى بعد توقيعه، ومن ثم وصول ترامب إلى السلطة وقيامه بالانسحاب منه إلى تعزيز الانطباع في أوساط ناخبيه بأنه قادر على التأثير بقرارات رئيس القوة الدولية الأولى وسياساته نتيجة عناده وثباته على مواقفه الحريصة على أمن إسرائيل. ولا يمكن الفصل بين سياساته التصعيدية المتهورة في سوريا ضد محور المقاومة، ومسعاه للحصول على دعم شعبي أكبر يضمن له درجة أعلى من الحصانة في مواجهة مستجدات محتملة مرتبطة بالتحقيقات بقضايا الفساد.
إخضاع السياسة الخارجية للدول للاعتبارات السياسية الداخلية لنخب تسعى إلى البقاء في السلطة بغية تجنب المحاسبة نتيجة تورطها بالفساد أو لأنها ماضية في عملية استيلاء على أبرز مفاصل جهاز الدولة، كما يفعل ترامب، في سياقات دولية وإقليمية عالية التوتر واستسهال عمليات الاستعراض والخطوات التصعيدية، كالقصف الغربي ومن ثم الإسرائيلي على سوريا، يزيد من احتمال خطأ في الحسابات يفضي إلى انزلاق سريع نحو صراع أوسع.