لم تخرج ردود الفعل الإسرائيلية على المطالب والتهديدات التي قدمها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من إيران، عمّا هو متوقع، خصوصاً أنها تتلاءم بشكل مطلق مع الأولويات الإسرائيلية بل هي ترجمة لها بلسان أميركي. والانطباع السائد في إسرائيل أن مضمونها يوحي كما لو أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو هو الذي صاغ الخطاب، كونها تعبّر عن المبادئ التي حاول إقناع إدارة باراك أوباما والأوروبيين بها.

على رغم الاحتفاء الرسمي، في تل أبيب، بالسقف السياسي الذي تبنته الولايات المتحدة، والخيار الذي انتهجته في مواجهة إيران، إلا أن ذلك كان محفوفاً بقدر من الحذر والانتظار. وبرز مستويان من التقدير في الساحة الإسرائيلية حول مفاعيل الخيار الأميركي ضد إيران، بين من يراهن ويؤكد أنها ستخضع خلال أشهر للمطالب الأميركية، في مقابل، من يؤكد أن هذا الاحتمال ضعيف، وهو ما يفرض التساؤل عن البديل عن فشل هذا الرهان، وما هي تداعياته الأمنية والإقليمية. وهكذا يتم فتح الباب واسعاً أمام مروحة واسعة من الأسئلة التي لا يبدو أن هناك أجوبة صريحة وواضحة عليها في تل أبيب.
أجمل نتانياهو موقفه بوصف السياسة الأميركية إزاء إيران بالصحيحة، داعياً إلى عدم السماح لها بالتخصيب، وأنه لا حاجة لها بذلك، وإلى الخروج من سوريا. وفي تعبير عن مدى رهانه على تعزيز المسار الأميركي التصعيدي ضد إيران للأمن الإسرائيلي، وأضاف: «من يريد أن يضمن الأمن ويدفع السلام قدماً عليه أن يعارض إيران ويدعم الموقف الأميركي».
في السياق نفسه، اعتبر عضو المجلس الوزاري المصغر، ووزير الطاقة يوفال شطاينتس، أنّه «لن يكون أمام إيران أي خيار. في البداية سيقولون لا لا، لكن بعد نصف سنة إلى سنة لن يكون أمامهم أي خيار» مبرراً ذلك بأن «العقوبات تستطيع أن تحطم مفاصل الاقتصاد الإيراني». وعبَّر عن ثقته بأن الإيرانيين سيضطرون في النهاية... إلى الخضوع للمطالب الأميركية». ولفت إلى أن اسرائيل ليست وحدها في الصراع ضد إيران «فالأميركيون معنا وأيضاً غالبية الشرق الأوسط. دول عربية معنا في هذا الصراع مقابل الإيرانيين، ولذلك فان لهذا الصراع فرصة لكي ينجح». وتابع: «أنا أقدّر أيضاً أن الأوروبيين بعد ان يستفيقوا سيدركون أين هي مصالحهم. هم سيفضلون جانب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسعودية على التملق للإيرانيين».
في الإطار نفسه، كرّر عضو المجلس الوزاري المصغر وزير التربية ورئيس البيت اليهودي، نفتالي بينيت، المواقف والرهانات ذاتها، مشيراً إلى أن «معارضة أوروبا وروسيا لا تغيّر كثيراً لأنه إذا خُيّرت الشركات بين السوق الإيرانية والسوق الأميركية، كلها ستختار السوق الأميركية. نحن نرى من الآن طوفان شركات تُلغي صفقات مع إيران».
في المقابل، رأى رئيس مركز أبحاث الأمن القومي عاموس يادلين أن «فرصة قبول الإيرانيين بالمطالب الأميركية منخفضة جداً»، مضيفاً أن «المعركة الآن أو ما ينبغي تركيز النظر إليه، هو كيف ينتقل الأميركيون من اللغة الخطابية الرائعة جداً إلى التطبيق العملي». وأوضح أن «المعركة الآن هي على العقوبات أو على دول أوروبا... ومن الصعب التطلع الى مسألة العقوبات، هل هي قوية بما يكفي من أجل إقناع الإيراني للمجيء والتفاوض».
وحذّر يادلين من أن أجهزة الطرد المركزي لدى إيران الآن أكثر تطوراً «وهم بالواقع وصلوا إلى الخط الأحمر الذي يفرض على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل أن يعملوا شيئاً في شأن هذه المسألة». وتساءل ما إن كانت مهمة معالجة المسألة ستكون في الملعب الإسرائيلي. وأضاف أن ذلك «يمكن أن يقود إلى أزمة يتوجب فيها استخدام وسائل عسكرية، عندما سنكون نحن في الجبهة وفي مقدمة المنصة».
على المستوى الإعلامي، اعتبر عوديد غرانوت في صحيفة «إسرائيل اليوم»، أن إدارة ترامب تحاول الآن إعادة الدولاب إلى الوراء. واستناداً إلى فرضية أن ترامب سينفذ تهديده سيضع ذلك إيران بين خيارين أساسيين: الأول، الانسحاب من الاتفاق النووي، وربما حتى استئناف تخصيب اليورانيوم، وفي هذه الحالة ستكون هناك مخاطرة بمواجهة مع الولايات المتحدة وانهيار اقتصادي وربما انهيار النظام؛ والثاني محاولة المساومة، بواسطة الأوروبيين، على المطالب الأميركية وتخفيض السقف، والبقاء.
في المقابل، رأى معلق الشؤون الأمنية في صحيفة «معاريف» يوسي ميلمان، أن الانسحاب من سوريا هو المطلب الوحيد الذي يملك فرصاً للتحقق أفضل من غيره. ولفت إلى أن ما قدمته إدارة ترامب ليس أسلوب العصا والجزرة، وإنما وجهت إنذاراً وضعت فيه النظام الإيراني أمام خيار «اقبل وسلم». وأضاف أنه ليس أمام أوروبا أي خيار، ومن الآن، وحتى قبل صياغة العقوبات، من الواضح لشركات أوروبية أنها إذا استمرت بالاستثمار في إيران، فإن ذلك سيكون على حساب علاقاتها مع شركات أميركية وهو ما سيُلحق بها ضرراً اقتصادياً هائلاً. ولا شك أنها ستفضِّل الاقتصاد الأميركي على الإيراني. ومن المتوقع أن يستمر أثر الدومينو حيث ستلغي المزيد من الشركات، أو تعلّق أو تعيد دراسة علاقاتها مع إيران خشية العقاب الأميركي. وبالنتيجة، سيتم حشر إيران في الزاوية، وسيكون أمامها ثلاثة خيارات: الانسحاب من الاتفاق النووي والإعلان عن استئناف البرنامج النووي. لكن النتيجة ستكون أن يصبحوا معزولين أكثر، وفي ظل نظام عقوبات غير مسبوق. أو البقاء في الاتفاق مع الأمل بالنجاح، من خلال العلاقات مع روسيا والصين وأوروبا في إبقاء الاقتصاد صامداً، بطريقة ما. أو عدم اتخاذ أي قرارات متسرعة في هذه المرحلة. يبدو أن طهران تختار الخيار الثالث، وهو انتظار التطورات.
وأضاف ميلمان أن مطالب إدارة ترامب هي تعبير عن آمال أكثر من كونها استراتيجية متبلورة، محذراً من أن إيران هي بلد خبر الصعوبات ويتمتع بكرامة وطنية، وصمد في الماضي بتصميم في حرب ثماني سنوات مع العراق وست سنوات في ظل نظام عقوبات دولي بسبب برنامجه النووي. وبالتالي، من غير المتوقع أن يسارع للإذعان لإنذار ترامب.