ثمة طرق عديدة تتبعها الميديا لتضليل أولئك القراء الذين لم يتعلموا بعد، والذين لا يريدون التعلم من التجارب التاريخية، وأيضاً أولئك غير القادرين أصلاً على التعلم من دروس الأخبار الكاذبة. المؤسسات الحاكمة تمتلك طرقاً مباشرة تتلخص في نشر الأخبار الكاذبة، بكل وقاحة، لكنّ هناك طرقاً ملتوية ومنها على سبيل المثال كيفية صياغة خبر ما، ومدى تكراره ومنحه مكاناً متقدماً في التغطيات ذات العلاقة، إن لم يتمّ تجاهله أصلاً، أو قول نصف الحقيقة، أو ربعها، أو جزء منها. «قول نصف الحقيقة كذبة كاملة»، وكذلك اختيار المفردات ومكان وضع الخبر إما في صحيفة أو وسائل مرئية، وما إلى ذلك.

بعض هذه الأمور لفتت انتباه بعض المتابعين لمخاطر صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ضمن أجهزة المؤسسة الحاكمة وكذلك عبر الميديا الاجتماعية وفي الشارع، فكلّفت مؤسسات متخصصة البحث في دور الميديا المؤسساتية في ذلك، ووصلت إلى النتائج التي كنّا دوماً نقولها، وهي خضوع الميديا في الغرب الاستعماري لمصالح مموليها وسياساتهم.
مؤسسة سويسرية متخصصة هي media tenor كُلِّفَت بمراجعة الميديا الألمانية الرئيسة منذ مطلع عام 2012 إلى أيار 2018، تفحصت في خلالها نحو مليون ونصف مليون خبر وتعليق وحلّلتها.
محللو الأخبار والتعليقات في مختلف أشكال التغطيات الإعلامية/ التضليلية، تبيّن لهم أنه في الفترة الواقعة بين تموز 2015 وأيار 2018، تم نشر 17500 خبر عن أعمال القتل أو محاولة قتل، وهو رقم يزيد بمقدار 200% عن فترة سابقة مماثلة.
أما عدد التغطيات للفترة ذاتها للتجسس «السيبراني»، وهي قضية على جانب كبير من الأهمية للمواطن والمجتمع الألماني وتؤثر في حياة الجميع، فقد ارتفعت من 1727 إلى 3632 فقط. عدد التغطيات للجريمة العنيفة ارتفعت للفترة نفسها من 1612 إلى 2542.
تغطية مسائل أخرى حيوية للمواطن الألماني وللمجتمع ككل انخفضت على نحو ملحوظ. فمقدار التغطيات لمسألة الطاقة وارتفاع أسعارها وتأثيرها في البيئة، وما إلى ذلك، وهي تمسّ كل فرد وذات أبعاد استراتيجية ومستقبلية، فقد انخفض ما مقدراها من 1،71% إلى 0،25% للفترة نفسها، أي بدءاً من مطلع عام 2012 إلى أيار 2018. أما مقدار عدد تغطيات قضية حيوية أخرى للمجتمع والفرد ذات الأبعاد الاستراتيجية المستقبلية أيضاً وهي صندوق التقاعد، فقد انخفض ما مقدراه 1،07% إلى 0،32%.
أرقام الأخبار والتعليقات والتغطيات، إعلامية كانت أو تضليلية... عن أعمال القتل أو محاولة القتل ذوات الدافع الديني عن الفترة ذاتها، ارتفعت من 8700 إلى 12200، وهذا الجانب مرتبط، كما نعلم، بمسألة أمن المواطن (ارتفاع من 5105 إلى 7791).
بمقارنة الأرقام والنسب الآنفة الذكر، تبيّن للقائمين على جمع الإحصاءات الأخيرة انعدام الموضوعية في تغطية الميديا الألمانية، آخذين في الاعتبار أن مقدار الجرائم انخفض نحو 10%، بينما تضاعف انعدام الشعور بالأمان. السبب واضح وهو دور الميديا التي تمنح الجريمة مساحات تتجاوز ما تستحقه. كما وجب عدم غض الطرف أو صرف النظر عن دور بعض السياسيين في التحريض على الأجانب وربطهم بظواهر سلبية، وفي مقدمها الجريمة، حتى صار المواطن الألماني يخشى حتى الاقتراب من أي شخص ليس أبيض البشرة. فعلى سبيل المثال، صرح رئيس الحزب الليبرالي بالقول: «ليس بمقدور المواطن الألماني الواقف في متجر ينتظر دوره لطلب ابتياع غرض ما الشعور بالأمان المطلق إذا كان أحد الواقفين بقربه يتحدث بلهجة ألمانية مكسورة!».
القائمون على جمع الإحصاءات وصلوا إلى نتيجة واضحة وهي خطأ تجاهل دور الميديا في التحريض بخصوص مسألة محددة، ودورها في رفع وتيرة رهاب الأجانب وانعدام الشعور بالأمن، وتوجيه نظر القراء بعيداً عن القضايا الحيوية الاستراتيجية التي تؤثر في مستقبل البلاد والمواطنين، وبالتالي نشر الأخبار الكاذبة وتعميمها.