قبل أكثر من نصف قرن، عندما وصلت القوات الأميركية إلى الحدود الصينية، في تعقبها للمقاتلين الكوريين الشماليين، أرسل الزعيم الصيني، ماو تسي تونغ، مليون متطوع إلى القتال، فيما أرسل زعيم الاتحاد السوفياتي، جوزيف ستالين، قوات جوية، طالباً من مقاتلي الشمال مواصلة المعركة. وبعد ثلاث سنوات من الحرب التي خلّفت أكثر من ثلاثة ملايين قتيل، انتهى الأمر بكوريا مقسمة. أما اليوم، مع وجود عشرات آلاف الجنود الأميركيين في أقصى درجات الجاهزية القتالية على الطرف الآخر جنوب المنطقة المنزوعة السلاح، فلم يعد بمقدور أحد التقليل من الأهمية الاستراتيجية لنظام بيونغ يانغ الذي يتمكن أيضاً من الاحتفاظ بالدعم الحيوي من بكين أولاً، ومن موسكو ثانياً.

السِّلم الكوري «الهشّ» الذي تُوج أخيراً بقمة جمعت بين رئيسَي الكوريتين في نيسان الماضي، قد يتهاوى بلمح البصر، ليُغرق شبه الجزيرة الكورية في حرب تقتل الملايين، بكل ما يفتحه ذلك من احتمالات توريط دول مثل الصين واليابان بـ«حرب نووية»، خاصةً إذا لم ينجح كيم جونغ أون ودونالد ترامب في الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي كانت مقررة الشهر المقبل في سنغافورة.

الدور الصيني
وفق مختلف القراءات المقدّمة، ثمة شبه إجماع على أنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ، يريد حماية المصالح الاستراتيجية لبكين وضمان أن يكون لها أثر في العملية السلمية الكورية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على نظام صديق في بيونغ يانغ، كحاجز مع القوات الأميركية وكوريا الجنوبية المتمركزة عبر خط العرض 38.
في المسألة الكورية، إنّ النجاح الذي حققته بكين حتى الآن تمثّل بصفة أساسية في إقناع بيونغ يانغ بالقبول بالمفاوضات المتعددة الأطراف والتخلي عن إصرارها على ضرورة أن تكون المحادثات ثنائية، بينها وبين الولايات المتحدة. ويعود الإصرار الصيني على أداء دور في المسألة الكورية إلى عدة أسباب، على رأسها اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة شرق آسيا، وانتقال التركيز الاستراتيجي الأميركي بدءاً من عام ٢٠١٢ من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، ومحاولته تطويق الصين. وبالإضافة إلى أن دول جنوب الصين وشرقها بمعظمها موالية لأميركا (كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، فيليبين...)، فإن من مصلحة بكين كسر هذا الطوق ومنع أميركا من إكماله، ولا يكون ذلك إلّا عبر تحصين بيونغ يانغ وإبعاد الشبح الأميركي عنها.
من جهة ثانية، لم تكن كوريا الشمالية تستمع إلى أية نصائح عالمية إلّا من الصين. فعلى سبيل المثال، اختار كيم جونغ أون أن تكون أولى زيارته الرسمية لبكين (في نهاية آذار)، وقد تلت هذه الزيارة القمة الكورية ـــ الكورية، وبعدها أعلنت الصين أنها حصلت من الرئيس الكوري الشمالي على تعهد بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة. سرّية الزيارة التي لم يُعلن عنها ولا عن هدفها، تُغذي حقيقة أن بيونغ يانغ تعتبر بكين «الأب الروحي» وتستشيرها في جميع أمورها، وقد نجحت الصين من خلال تهدئة كيم جونغ أون في أن تهدئ إيقاع اللعبة مع ترامب، وبالتالي حرمته فرصة الاستفادة من تسريع الأحداث وتسعيرها.

كانت رسالة بكين تقول ببساطة: نحن لاعب رئيسي في إيجاد حل


جدير بالذكر أيضاً أنّ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، توجه إلى بيونغ يانغ في الثاني من أيار الجاري والتقى مع كيم لمناقشة الوضع الأمني المتطور بسرعة في شبه الجزيرة، في زيارة هي الأولى من نوعها يقوم وزير خارجية صيني لكوريا الشمالية منذ 11 عاماً. وفي 4 أيار، تبادل الرئيس الصيني شي جين بينغ، مكالمة هاتفية مع نظيره الكوري الجنوبي، مون جاي إن. وفي النهاية، عاد كيم ليلتقي شي للمرة الثانية في مدينة داليان الصينية، في 8 و9 أيار. وفي هذا الصدد، علّق المدير الحالي لمعهد «SOAS» البريطاني أنّه «بالنسبة إلى شي، إنّ الرسالة المهمة هي ببساطة أن الصين لاعب رئيسي في إيجاد حل على شبه الجزيرة الكورية، وأن هذا الاجتماع (داليان) يهدف إلى إعادة تأكيد هذه الرسالة، خاصة بالنسبة إلى دونالد ترامب»، مرجّحاً في الوقت نفسه أن يكون كيم قد لفت في خلال اجتماع داليان إلى أن «الصين تظل حليفة لكوريا الشمالية، وبالتالي ستكون هناك لدعمه إذا ما وضع ترامب سعراً أعلى من اللازم للتوصل إلى اتفاق».
بعد نحو 24 ساعة من زيارة كيم الثانية للصين، وصل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى كوريا الشمالية لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل قمة ترامب مع كيم. وفي الوقت نفسه، سجّل كيم رغبته في دعم الصين في المحادثات، وخاصة دعوته إلى اتباع نهج «متدرج ومتزامن» في نزع الأسلحة النووية، في مقابل طلب ترامب بوضع حد فوري لبرامجها النووية. من جانبها، قالت كبيرة مستشاري آسيا في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن، بوني غلاسر: «أعتقد أن شي يريد التخلص من نتيجة مفاجئة من قمة ترامب وكيم».
ولعلّ من مصلحة الصين السعي إلى حل سلمي للأزمة الكورية، بهدف منع إعطاء فرصة للولايات المتحدة للاقتراب أكثر من حدودها، وحماية النظام الكوري من حرب كانت مؤشراتها تتزايد. ويُعرف عن النسق السياسي الذي تعتمده الصين أنه لا يسعى إلى الاشتباك بقدر ما يغلّب الإيجابية. ورغم أن بكين قد يساورها القلق من احتمال توحيد الكوريتين بطريقة تجعل كوريا الجنوبية الحليفة لأميركا وريثة لقدرات الشطر الشمالي النووية، فإنّ المحللين الصينيين مقتنعون بأن سيول تطمع في الحصول على تلك الأسلحة، والولايات المتحدة تدعم ذلك الطموح، لذا لا بدّ من فعل شيء لإبعاد الخطر.




أعرب الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، عن أسفه إزاء قرار الرئيس الأميركي، وحضّ الرجلين على إجراء محادثات مباشرة، بحسب ما ذكر مكتب الرئاسة في سيول.
وفي اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي، قال مون إنه من «المؤسف للغاية أنّ القمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لن تعقد». جدير بالذكر أنّ مون التقى ترامب في واشنطن في بداية الأسبوع الجاري، وقد استهل الرئيس الأميركي اللقاء بالإعلان أنّ «القمة قد لا تعقد في 12 حزيران».
(أ ف ب)