لم يكشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جديداً عندما أجمل التحديات التي تواجهها تل أبيب من قبل محور المقاومة، بدءاً من لبنان مروراً بسوريا، وصولاً إلى ايران، إذ أكد أن الحملة ضد الجمهورية الإسلامية لا تزال في أوجها. مع ذلك، فقد حدَّد في بضع كلمات أوردها خلال افتتاح جلسة الحكومة، أمس، أولويات إسرائيل والإطار العام الذي يحكم خياراتها العملانية ووجهته، واضعاً ذلك في سياق الدفاع عن النفس، باعتبار أن قدرات محور المقاومة التي تتصاعد وتتطور موجّهة ضد إسرائيل. وأكد أن إسرائيل ستواصل نشاطها وجهودها «من أجل منع إيران من امتلاك الأسلحة النووية. وفي موازاة ذلك، نعمل ضد التموضع العسكري الإيراني في سوريا الموجّه ضدنا، لذا نعمل أيضاً على إحباط نقل الأسلحة الفتاكة من سوريا إلى لبنان أو إنتاجها في لبنان».

ومع أن رئيس وزراء العدو تحدث عن مواصلة إسرائيل جهودها لمنع امتلاك إيران أسلحة نووية، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تصدت مباشرة لمهمة الضغط على طهران بهدف إجبارها على التخلي عن خياراتها الاستراتيجية والإقليمية. وعلى هذه الخلفية، لوحظ أن المطالب 12 التي حدَّدها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، اقتصر بندان منها فقط على البرنامج النووي الإيراني، فيما البقية تتصل بقدراتها الصاروخية وسياساتها الإقليمية. مع الاشارة إلى أن إيران تعلن رسمياً أنها لا تريد إنتاج أسلحة نووية، وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكثر من مرة أن طهران لم تخرق الاتفاق الذي تم التوصل إليه في تموز 2015.
في البعد الإسرائيلي، يشكّل الموضوع النووي قضية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه عنواناً ومدخلاً للضغط على إيران بهدف دفعها إلى التخلي عن خيار دعم المقاومة في لبنان وفلسطين. على المستوى النووي، تهدف تل أبيب إلى سلب إيران القدرة على إنتاج الأسلحة النووية حتى لو لم ترد إنتاجها. وترى أن مصدر التهديد الاستراتيجي لأمنها القومي يتمثل بالجمهورية الإسلامية وخياراتها الإقليمية. من هنا، يأتي ما أورده نتنياهو خلال جلسة الحكومة، بأنها «الطرف الرئيسي الذي يزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط».
لدى التدقيق في الشعار الذي ترفعه تل أبيب بمواجهة الوجود الإيراني في سوريا، وهو ما كرره نتنياهو أمس أيضاً، «في موازاة ذلك، نعمل ضد التموضع العسكري الإيراني في سوريا الموجّه ضدنا»، يلاحظ أن الهدف الإسرائيلي ليس إخراج إيران من سوريا، وإنما إخراج سوريا من محور المقاومة، وإذا لم يكن ذلك ممكناً فإضعافها ومنعها بقدر الإمكان من إعادة بناء قدراتها وتطويرها. يأتي التصدي الإسرائيلي والأميركي بشكل مباشر لهذه المهمة، بعد فشل مخطط إسقاط سوريا عبر الجماعات الإرهابية والتكفيرية خلال السنوات الماضية. وتدرك تل أبيب أن الوجود الإيراني لا يتجاوز بضع مئات من الضباط والأفراد. لكنها تريد فرض خطوط حمر على مساعي إعادة بناء قدرات سوريا الاستراتيجية وتطويرها، ومنع تشكل جبهة جنوبية سورية تأتي امتداداً لجبهة الجنوب اللبناني، وهو ما سبق أن أجمله نتنياهو بنفسه قبل أشهر: «منع تشكل قوس شمالي» حول إسرائيل.
انطلاقاً من هذه الرؤية، يصح وصف ما جرى خلال الأسابيع الماضية وتوِّج بليلة الصواريخ، فجر العاشر من أيار الجاري، على أنه محطة في سياق معركة أوسع لا تزال متواصلة. وضمن هذا الإطار، يأتي تعبير نتنياهو بأن «المعركة ضد إيران لم تنته، ولحد الآن لا تزال في أوجها»، وخاصة أنه مع انتقال الضغط المباشر الأميركي المكثَّف الى إيران نفسها، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة في الصراع ستكرس معادلات قائمة وتعيد إنتاج معادلات أخرى، وتؤسس لمسار استراتيجي سيكون له تداعياته الكبرى على الأمن القومي الإسرائيلي.
ضمن الإطار نفسه، يأتي حديث نتنياهو أيضاً عن مواصلة إسرائيل مساعيها لمنع «نقل الأسلحة الفتاكة من سوريا إلى لبنان أو إنتاجها في لبنان». ويأتي هذا الموقف المكرر، بعد خمس سنوات من الاعتداءات الإسرائيلية التي تندرج تحت إطار «المعركة بين الحروب»، والتي لم يعد خافياً أن نتائجها كانت مخيّبة للرهانات الإسرائيلية، وخاصة بعدما بات حزب الله أكثر قوة وخبرة وكفاءة وتطوراً، وفي أعقاب تحوله إلى قوة إقليمية رادعة وقادرة على فرض خطوط حمر على الكيان الإسرائيلي في الساحتين اللبنانية والإقليمية.
اللافت في الخطاب الإسرائيلي أن كل الخيارات العدوانية في مواجهة الأطراف المعادية، تشكّل في المنظور الإسرائيلي والغربي مبرراً للمبادرة الى اعتداءات ابتدائية، كونها تأتي «في إطار حقنا في الدفاع عن النفس» كما ذكر نتنياهو أمام جلسة الحكومة، على قاعدة استباق تشكل التهديدات والمخاطر ومن أجل تعزيز وقائي للأمن القومي. في المقابل، فإن أيّ رد على هذه الاعتداءات في أي من الساحات السورية أو اللبنانية أو الفلسطينية، هو بمثابة اعتداء على إسرائيل، تتسابق فيه الدول الغربية على شاطئي الأطلسي لإدانته والوقوف إلى جانب إسرائيل في الدفاع عن نفسها.