إسطنبول | منذ أقل من أسبوع والليرة التركية تتعرض لهبوط مدوّ، يمكن وصفه في الإطار العام بـ«التاريخي»، إذ انخفض سعر صرفها أمام الدولار الواحد من 3.75 إلى 4.92 في مدة لم تتجاوز شهراً، وهو ما أدى إلى حالة من الارتباك في الأسواق المالية ولدى المستثمرين الأجانب الذين بادروا فوراً إلى التخلص من الليرة لمصلحة العملات الأخرى، ما دفع نحو المزيد من التراجع في سعر صرفها. لا شك في أن ثمة أسباباً اقتصادية أدت إلى الهبوط بهذا المعدل، لكن الحكومة تصرّ على أن «مؤامرة كبيرة» تحاك ضد اقتصادها، وذلك باستخدام الليرة في محاولة للتأثير في الناخبين قبيل الانتخابات الشاملة المبكرة في 24 حزيران المقبل. وهو الرأي الذي تبناه الرئيس رجب طيب أردوغان، عندما قال إن أطرافاً داخلية تتعاون مع جهات خارجية للضغط على البلاد والإضرار بها من خلال الاقتصاد، وإن كل ما يحدث «مؤامرة» لإسقاطه في الانتخابات المقبلة.

في المقابل، رجّح خبراء اقتصاديون أن أسباب انهيار الليرة اقتصادية بحتة، بل «نتيجة حتمية» لعدة متغيرات. من هؤلاء الخبير الاقتصادي مصطفى سونماز، الذي قال لـ«الأخبار» إن تصريحات الرئيس التركي لوسائل الإعلام البريطانية عن نيته فرض سيطرة كبرى على الاقتصاد عقب الانتخابات من «أهم أسباب تراجع الليرة بهذه الحدة». وفعلاً كان أردوغان قد صرح في مقابلة مع «بلومبرغ»، الثلاثاء الماضي، بأنّ «البنك المركزي مستقل، لكن لا يمكنه أن يتجاهل الإشارات التي يبعث بها رئيس السلطة التنفيذية فور استكمال التحول إلى النظام الرئاسي... سأتولى المسؤولية كرئيس للسلطة التنفيذية لا ينازعه أحد فيما يتعلق بالخطوات المتخذة والقرارات المتعلقة بهذه المسائل»، مضيفاً أن الرئيس يجب أن تكون له سلطة على السياسة النقدية.
ويرى سونماز أن مثل هذه التصريحات «تثير رعب وقلق المستثمرين المحليين والأجانب، لأنها تمثل ضربة قاسية لمبادئ السوق الحر، وكما هو معروف، فإن تدخّل السياسة في إخضاع اقتصادات البلاد وسياساتها المالية لمصلحة طرف سياسي معين يعني تأثر الأسواق والاقتصاد وتعرضها لتقلبات شديدة غالباً لا يمكن السيطرة عليها». لكن الأخطر في تصريحات أردوغان هو قوله إن «سعر الفائدة سبب والتضخم نتيجة؛ كلما انخفضت أسعار الفائدة، انخفض التضخم»، الأمر الذي يعني فرض المزيد من السيطرة على السياسات النقدية بعد الانتخابات المقبلة، وذلك في وقت يريد فيه أن يُخفض تكلفة الاقتراض من أجل زيادة قروض البناء واتخاذ إجراءات مختلفة للتغلب على التضخم وعجز ميزان المعاملات الجارية. ومع أنه ناشد الأتراك ألا يفضّلوا العملات الأجنبية على الليرة، ذهب المستثمرون إلى بيع الليرة أخيراً لمخاوف تتعلق بقدرة البنك المركزي على احتواء التضخم.

خسرت العملة التركية أكثر من 25% من قيمتها خلال مدة قصيرة


من جهة أخرى، أشار رئيس الوزراء، بن علي يلدريم، إلى «المؤامرة» أيضاً، قائلاً: «إذا كنت ترغب في السلطة (مخاطباً أطراف قال إنها تتلاعب بالعملة)، فإن تحقيق مصلحة من التقلبات المؤقتة لسعر الدولار ليست من الوطنية، لأن الوطنية تعني حب البلد». لكن يلدريم رأى أن التقلبات في سعر صرف العملات «مؤقتة ومرحلية»، لافتاً إلى أن بلاده استقبلت نحو ثمانية ملايين زائر في الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، متوقعاً في الوقت نفسه وصول الرقم إلى أربعين مليوناً في نهاية العام. مع ذلك، يصرّ عدد من المحللين على أن ارتفاع العجز التجاري للبلاد إلى 37.5%، والخلاف القائم بين أردوغان والبنك المركزي بشأن أسعار الفائدة، يؤثران في سعر صرف الليرة، وأيضاً تدفق رؤوس الأموال خارج البلاد، رغم أن أداء الاقتصاد التركي كان الأفضل في العالم العام الماضي.
على غرار ذلك، قال المرشح لانتخابات الرئاسة، محرم إنجي، إن تركيا تحتاج إلى «مصالحة عاجلة بعد 16 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان»، مؤكداً أنه يملك خططاً لإنقاذ العملة من التدهور المتسارع الذي تعاني منه، إذ كان سبباً رئيسياً للدعوة إلى الانتخابات المبكرة. وأضاف: «يمكن للبنك المركزي أن يوقف هبوط الليرة مؤقتاً فقط من خلال رفع أسعار الفائدة، لأنه ليس صحيحاً أن انخفاض قيمة العملة ينبع في الأساس من كون أسعار الفائدة مرتفعة للغاية أو منخفضة للغاية. لذلك، سوف يتدخل المركزي، لكن الأشياء التي ينبغي فعلها حقاً موجودة في المجالين السياسي والقانوني».
وإذ لم يبق أمام الحكومة أي خيارات للسيطرة على المشهد الاقتصادي في البلاد، اجتمعت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي بصورة عاجلة، وأقرت رفع أسعار فائدة الإقراض 3٪، أي 300 نقطة أساس، وهي نسبة عالية كما يقول الخبراء الاقتصاديون. وبينما تحاول الحكومة وأردوغان التركيز على «نظرية المؤامرة»، يضع الخبراء أمامهم أسباباً أخرى للأزمة. ففضلاً عن «تدخلات أردوغان الفظة في السياسات المالية وضغوطه على المركزي»، ثمة غموض سياسي كبير في البلاد، من تقديم موعد الانتخابات إلى تحمّل الحكومة تكاليف باهظة لعملياتها العسكرية داخل البلاد وفي سوريا والعراق، والركود المتزايد في قطاع العقارات، وتبعات الآثار الاقتصادية لمحاولة الانقلاب الأخيرة، وارتفاع نسبة التضخم، إضافة إلى قرار اللجنة المالية العليا الرقم 32 القاضي بإعادة جدولة الديون القصيرة الأجل، إلى جانب التقييمات السلبية للاقتصاد التركي لدى وكالات التصنيف الائتماني العالمي، التي انخفضت بشكل ملحوظ أخيراً.
في الخلاصة، يرى الخبراء أن هبوط الليرة «أمر طبيعي» بالنظر إلى حساسية سوق العملات قياساً بالأوضاع السياسية الداخلية، في ظل أن الانخفاض طاول أكثر من 25% من قيمتها خلال مدة محدودة. وخلال العام الماضي، نما الاقتصاد التركي بنسبة 7.4%، لكن أرقام التضخم ارتفعت إلى نحو 13%، وهو ما يراه خبراء أشد وقعاً من توقف نمو الاقتصاد. يذكر أن استمرار انخفاض الليرة على هذا النحو أعاد التذكير بما حدث في دول شرق آسيا عام 1999 فيما يعرف بالأزمة الآسيوية التي بدأت بانهيار «البات التايلندي»، لكن الأمر لا يزال متوقفاً على قدرة الحكومة والبنك المركزي في تركيا على التدخّل لوقف هذا التراجع في قيمة العملة.