في 29 من الشهر الماضي، مُنح مهاجر «غير نظاميّ» من أصول ماليّة تصريح إقامة في فرنسا جراء الاعتراف بفعله الشجاع، حيث جازف بحياته وتسلّق واجهة عمارة سكنيّة لإنقاذ طفل عمره أربعة أعوام كان يتدلّى من الشرفة. بعد يومين، عقدت جلسة محاكمة مثيرة للجدل، اتُهم فيها ثلاثة أوروبيّون بمساعدة «عصابة منظّمة» من المهاجرين على دخول فرنسا، وهم يحاكمون بـ«جريمة» التضامن ويمكن أن يسجنوا لمدّة تصل إلى عشرة أعوام وغرامة ماليّة تقدر بـ750 ألف يورو.

في الحالة الأولى، جرى تقديم إنقاذ الطفل الفرنسيّ كفعل بطوليّ أدى إلى إجراء تجنيس استثنائيّ، أما في الحالة الثانية، جُرّمت مساعدة مهاجرين فاقدين وثائق رسميّة، واعتبرت فعلاً منحرفاً يستحق السَجن. وتتعرّض هذه الازدواجيّة المخزية ونفاق الدولة اليوم إلى الانتقاد في مواقع التواصل الاجتماعيّ، أما زيارة الشاب الماليّ إلى مقر فرقة الإطفاء في باريس، حيث وقّع معها عقدَ عملٍ لعشرة أشهر يسمح له بالقيام بخدمة مدنيّة تسبق حصوله على الجنسيّة، فقد تسببت في سيل من التعليقات السّاخطة والمندّدة بإحياء أنماط تفكير استعماريّة.
في فيديو يُسجّل الزيارة، قام قائد لواء الإطفاء في باريس الجنرال جان كلود غاليه، بعقد مقارنة خطرة، قال فيها إنّ «مامودو خاطر بحياته لإنقاذ طفل فرنسيّ يبلغ أربعة أعوام» لكنّ «قُتل 21 شاباً فرنسيّاً للحفاظ على حريّة الشّعب الماليّ». مستخدماً دليلاً مُضلّلاً، قصد الرجل أنّه ليس لفرنسا دَين تجاه مستعمراتها السابقة، وأنّ القيام بفعل بطوليّ صار الحالة الوحيدة الممكنة لتثمين مساهمة أحد المهاجرين، فهو يحمل واجب اعتراف. وعلى رغم عدم ذكره مسؤوليّة سياسات الهجرة المُطبّقة منذ سنوات، والتي ترغم آلاف المهاجرين على البقاء حبيسي وضع سريّ غير إنسانيّ، وميله إلى اعتبار فرنسا حارساً للحريّات الإنسانيّة، تبقى الحقيقة واضحة.
على عكس مامودو قساما، لم ينل فاقدو الوثائق الرسميّة فرصة إظهار بطوليّتهم حتى تُسوّى وضعيّتهم، لكنّهم يطمحون للعيش بكرامة، وهم يعيشون تحت قوانين قمعيّة ومواقف متشائمة تجعل «الهجرة» مشكلاً أمنيّاً، في حين بُنيت ثروة فرنسا تاريخياً بفضل موجات الهجرة المتتالية. لازمت الهجرة فرنسا على امتداد تاريخها، فقد جذبت منذ المراحل الأولى للتطوير الصناعيّ مهاجرين من الدول المجاورة لها، ثم جاءت الهجرة المدفوعة بحاجات اقتصادها خلال فترة «الثلاثين المجيدة»، وصولاً إلى اجتلاب عمال من المستعمرات ساهموا أيضاً في تحريرها من النازية. فقط في منتصف السبعينات، بدأت فرنسا تكبح سياسات الهجرة في سياق صارت تعتبر فيه الهجرة سبباً لجميع المشاكل الاجتماعيّة، بناءً على ربط خاطئ بين نسبة البطالة وحضور المهاجرين.
باشتداد التمييز العنصريّ وبتصوير المهاجر كخطر ديموغرافيّ وحضاريّ، ازدادت شعبيّة نظريّة «الاستبدال الكبير» التي أشاعتها بصفة خاصّة رواية جان راسباي «معسكر القديسين». في تلك الرواية العنصريّة المنشورة عام 1973، والتي صارت بمثابة مانفستو لتيارات اليمين المتطرف حول العالم، يصف المؤلف غزو جنوب فرنسا من قبل فقراء قادمين من الهند ينشرون الفوضى ويهدّدون بتدمير الحضارة الغربيّة. تقوم هذه الكتلة من المهاجرين المهووسين بالجنس وسفك الدماء بغزو «الريفييرا الفرنسيّة» التي تحوي آخر «الفرنسيّين الأصليّين» الذين يقاومون تشكيل «حكومة متعددة الأعراق»، ويقول راسباي إنّ كتابه يصف «عدم توافق الأعراق عندما تتشارك نفس المحيط». وقد حققت الرواية نجاحاً كبيراً بعدما أعاد الناشر روبرت لافون، إصدارها في فرنسا عام 2011، وصارت مرجعاً مستخدماً بصفة منتظمة في خطابات ستيف بانون، ومارين لوبان.
اليوم، في سعيها للتعبئة، تستخدم السّلطات السياسيّة في شكل واضح استراتيجيّة الخوف بناءً على تهديد مزعوم يمثّله المهاجرون، وذلك لتشديد السّلطة القمعيّة والزجريّة ومحاصرة كلّ إرادة مقاومة داخل القيد الأمنيّ. وقد قادت المزايدة الأمنيّة الملحوظة بين جميع بلدان الاتحاد الأوروبيّ، وجعل التدابير الاستثنائيّة أمراً عاديّاً، إلى سنّ تشريعات سجنيّة وتوسيع مراكز الاحتجاز وابتداع أنماط جديدة لضبط الحدود من خارج الاتحاد. فإذا كانت اتفاقات «شينغن» قد حوّلت أوروبا إلى قلعة حصينة من خلال إقامة تنسيق أمنيّ على امتداد حدودها الخارجيّة، فإنّ الوسائل التي يضعها الاتحاد الأوروبيّ اليوم لمكافحة الهجرة، من خلال أجهزة مراقبة وحفظ نظام، وولادة توجّه أمنيّ صرف، تندرج كلّها ضمن خطوط معادية للحقوق الإنسانيّة والحريات العامّة وبلغت كلفتها البشريّة آلاف الضحايا.