تتصاعد حدة الضغوط، من كل الأطراف، في ملف الاتفاق النووي. الولايات المتحدة، من جهتها، تواصل تهديداتها للشركات المتعاملة مع طهران، بهدف ثنيها عن المضي في أنشطتها لتجعل العقوبات الأميركية فاعلة، وتضرب فاعلية الاتفاق النووي انسجاماً مع قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب منه. إيران، هي الأخرى، تضغط من خلال التلويح بزيادة تخصيب اليورانيوم والأنشطة النووية، من أجل حث الأوروبيين على تقديم الضمانات العملية للاتفاق. أما إسرائيل، فلا تجد غير دبلوماسية التحريض وسيلة لتحقيق عزلة على إيران يطلبها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الأوروبيين.

وجددت وزارة الخزانة الأميركية، أمس، تهديد الشركات التي تعمل في إيران أو تتعامل معها أو تنوي العمل هناك. وطالبت وكيلة وزارة الخزانة، سيغال ماندلكر، حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها والقطاع الخاص بـ«تشديد شبكاتكم المالية، وإلزام شركاتكم بإجراء فحوص فنية إضافية حتى لا تقع في شبكة إيران الخداعية، وتوضح الأخطار الشديدة جداً للقيام بأعمال تجارية مع شركات أو أشخاص في إيران». وخاطبت ماندلكر القطاع الخاص في الولايات المتحدة والدول الشريكة والحليفة بالقول: «أحثكم أيضاً على اتخاذ خطوات إضافية لضمان أن لا تستغل إيران ووكلاؤها شركاتكم لدعم أنشطتهم الشائنة».
ويبدو أن التهديد الأميركي، الذي يزيد من قلق الشركات العاملة في إيران ويدفعها إلى إعادة حساباتها، يلقى آذناً صاغية في أوروبا. إذ كشفت مصادر في «بنك الاستثمار الأوروبي» أن البنك يعارض مقترحات الاتحاد الأوروبي لإنقاذ الاتفاق النووي. ويُعدّ موقف البنك مهماً؛ كون المفوضية الأوروبية تنوي أن تعلن، اليوم، خطة الاتحاد الأوروبي لتشجيع الاستثمار في إيران، كتأكيد على دعم الاتفاق النووي. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر في البنك قلق المؤسسة، التي تُعّد ذراع الاتحاد للإقراض، من أن مشروع المفوضية سيشكل أخطاراً على برنامج تمويل يُقدّر بمليارات الدولارات. إذ إن «الاستثمار الأوروبي»، وفق مصدر دبلوماسي أوروبي، يواجه معضلة؛ كون السوق الأميركية مصدراً رئيساً لأمواله، وهو ما يعرضه للخطر في ظل العقوبات الأميركية، ولذلك فهو «غير سعيد بمقترح اللجنة».

تعلن المفوضية الأوروبية اليوم خطة لتشجيع الاستثمار في إيران


على المقلب الإيراني، لا تجد طهران سوى ممارسة ضغط مضاد، كرد على الإجراءات الأميركية، ترمي من خلاله إلى إشعار الأوروبيين بخطورة الرضوخ للإملاءات الأميركية. وفي أعلى رد فعل للجمهورية الإسلامية عقب انسحاب ترامب من الاتفاق، أبلغت إيران، أمس، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بخطط لإنتاج مادة الخام اللازمة لتشغيل أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم. وأفاد متحدث باسم الوكالة بأنها تلقت «رسالة من إيران في الرابع من حزيران تبلغ الوكالة ببرنامج مبدئي لبدء إنتاج سادس فلوريد اليورانيوم (المادة الخام التي تستخدمها أجهزة الطرد المركزي)». وأعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، في مؤتمر صحافي أمس، جاهزية بلاده لاستئناف بعض الأنشطة النووية وفق رؤية المرشد الأعلى علي خامنئي، ومنها «مركز إنتاج أجهزة الطرد المركزي الجديدة» في «مجمع نطنز». وحذر صالحي، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية، من أن «الاتفاق النووي درع یصون معاهدة انتشار الأسلحة النوویة، وإن انهار الاتفاق سیتغیر كل شيء، ونحن مستعدون لمواجهة جمیع السیناریوات المحتملة». ولفت إلى أن المشاريع التي تنفذها إيران «لا تتعارض مع الاتفاق النووي».
ورداً على الخطوة الإيرانية، رأى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، أن ما أعلنته طهران لا يعني خروجها من الاتفاق النووي، داعياً إلى «الحفاظ على استقرار الوضع وعدم الانجرار لهذا التصعيد لأنه سيؤدي إلى أمر واحد: النزاع». كلام ماكرون أتى إثر محادثات أجراها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي انتقل من برلين إلى باريس، ثاني محطة له ضمن جولة أوروبية يقوم بها لتشجيع الأوروبيين على اتخاذ خطوات ضد إيران.