قبل أقل من عامين، وقف بيدرو سانشيز على عتبة الخروج من الحياة السياسية الإسبانية. خسائر مدوية ومتتالية لـ«حزب العمال الاشتراكي الإسباني» في الانتخابات النيابية، عامَي 2015 و2016، أضعفته أمام الحلفاء قبل الأعداء، وجعلته فريسة سهلة للطامحين من داخل حزبه وخارجه.

حينها، تلقى «رجل إسبانيا الوسيم» الضربات من كل حدب وصوب، ابتداءً من تحقيقه أسوأ نتائج في تاريخ الحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية، مروراً برفض النوّاب تعيينه رئيساً للحكومة، ووصولاً إلى إطاحته كرئيس للاشتراكيين وتخليه عن مقعده النيابي في البرلمان. إلا أنّ سانشيز لم يجتز العتبة، بل وقف عندها حتى استجمع قواه المبعثرة وعاد ليثأر للدموع التي ذرفها أمام عدسات الكاميرات في خريف عام 2016.
«يوم الإثنين سأستقل سيارتي وأسافر في جميع أنحاء إسبانيا للاستماع إلى أولئك الذين لم يتم الاستماع إليهم... إلى أعضاء القاعدة الشعبية والناخبين اليساريين»، قال سانشيز قبل خروجه من البرلمان. بضعة أشهر كانت كفيلة ليعود الزعيم الاشتراكي إلى المعترك السياسي من الباب العريض، وذلك بعدما نجحت رحلته في رص صفوف الناشطين الذين أعادوه إلى رئاسة الحزب في أيار 2017.
ولكنه لم يكتف بذلك، بل دخل أستاذ الاقتصاد السابق، الأسبوع الماضي، تاريخ إسبانيا المعاصر، كأول زعيم حزبي يستطيع إطاحة رئيس حكومة عبر سحب الثقة في البرلمان. وفي أول إقصاء لرئيس وزراء إسباني من قبل البرلمان خلال أربعة عقود من الحياة الديموقراطية، سحب البرلمان الثقة من رئيس الحكومة الإسباني ماريانو راخوي (63 سنة)، بعدما استطاع سانشيز تأمين الأصوات اللازمة قبل ساعات فقط من التصويت.
مهمة الزعيم الاشتراكي لم تكن سهلة، ولكن شظايا قضايا الفساد التي عصفت بـ«الحزب الشعبي» طاولت راخوي وشعبيته النيابية، ودفعت بأحزاب غير متجانسة إلى العمل معاً لإخراجه من السلطة بعد ست سنوات قضاها في الحكم. ولعل القضية التي «قصمت ظهر البعير« كانت «قضية غورتل»، التي خلصت إلى وجود «نظام فساد مؤسساتي متأصل» في «الحزب الشعبي»، يقوم على «التلاعب بالصفقات» وضخ «أموال سرية مصدرها غير واضح» في الحزب.
«قصة النجاح» توّجت، أول من أمس (الخميس)، بتشكيل حكومة تضم أكبر عدد من النساء (11 امرأة و6 رجال) في تاريخ الحكومات الإسبانية، وصفها سانشيز بـ«مرآة لأفضل ما في المجتمع... تعتمد المساواة بين الرجل والمرأة وعابرة للأجيال وراسخة في الاتحاد الأوروبي».
ولكن نشوة الانتصار لا يمكن أن تطول، إذ تواجه الحكومة «غير المسبوقة» تحدياً غير مسبوق أيضاً، وهو الحكم بدعم أقل من ربع البرلمان (84 نائباً من أصل 350). كما أن سانشيز حصل على 180 صوتاً فقط من أصل 350 في معركته ضد «الشعبي»، وهي أغلبية ضئيلة غير كافية لتحصين رئيس الحكومة الجديد، الذي رأى في الانقلاب السياسي «صفحة جديدة من تاريخ الديموقراطية في بلدنا».
ويواجه البلد الأوروبي سلسلة من التحديات الكبيرة «القديمة ـــ الجديدة» التي سبق أن واجهها راخوي منذ توليه الحكم في كانون الأول 2011، أبرزها الانكماش الاقتصادي وما أعقبه من إجراءات تقشفية قاسية، والأزمة السياسية التي دفعت البلاد إلى شلل حكومي، ومحاولة انفصال إقليم كاتالونيا العام الماضي، وغيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ويبدو أن الزعيم الاشتراكي سيتبنى طرقاً جديدة في قيادته للبلاد، التي قال إنه يعتزم قيادتها حتى منتصف 2020 عندما تنتهي ولاية البرلمان. فبالإضافة إلى الحكومة «النسائية» التي شكلها، لم يضع سانشيز (46 عاماً)، خلال أدائه القسم الدستوري أمام الملك فيليبي السادس في قصر «لاثارثويلا» قرب مدريد، يده على الإنجيل أو صليب، في بادرة هي الأولى لرئيس وزراء إسباني. وتزامن ذلك مع أداء الحكومة الجديدة في كاتالونيا القسم الدستوري برئاسة الانفصالي كيم تورا، الذي دعاه الزعيم الاشتراكي إلى «محادثات عاجلة بصفتنا حكومتين». أما على المستوى الأوروبي، فوعد بأن تكون «أهم أولوياته» احترام تعهدات مدريد أمام الاتحاد الأوروبي بخفض العجز، كما تعهد بعدم المساس بالميزانية التي تتضمن مخصّصات كبيرة لمنطقة الباسك.
عودة سانشيز جذبت أنظار العالم، واجتاحت صوره وسيرته الذاتية وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ولد السياسي الإسباني في 29 شباط 1972 في مدريد لعائلة غير سياسية. درس الاقتصاد في العاصمة الإسبانية ثم حصل على الإجازة في الاقتصاد السياسي من «جامعة بروكسل الحرة». في 2004، انتخب سانشيز عضواً في مجلس بلدية مدريد حتى عام 2009، حين أصبح نائباً بالصدفة إثر استقالة صاحب المقعد. وهذه كانت بداية الصعود. في 2014، وصل إلى رئاسة «الحزب الاشتراكي»، الذي قاده إلى هزيمتين متتاليتين، في مرحلة «فشل» يمكن وصفها الآن بـ«الظلمة التي تسبق شروق الشمس».