إسطنبول | مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، يبحث الرئيس رجب طيب أردوغان عن أمور تساعده على زيادة شعبيته، خاصة بعد أن أثبتت استطلاعات الرأي قوة مرشح حزب «الشعب الجمهوري»، محرم إينجا، في منافسته في الجولة الثانية التي قد تحمل معها الكثير من المفاجآت لأردوغان وحزبه، «العدالة والتنمية»، الذي يحكم البلاد منذ 16 عاماً بمفرده.

وهذه هي المرة الأولى التي يضطر فيها أردوغان إلى التحالف مع ألدّ أعدائه، زعيم «الحركة القومية» دولت باخشالي، الذي اشترط عليه المزيد من العمل العسكري ضد «حزب العمال الكردستاني» وفرعه السوري «وحدات الحماية الشعبية»، وهكذا يأتي التدخل العسكري في عفرين، وإن كان لهذا التدخل علاقة باتفاقات أستانا وسوتشي، خاصة أن هذا التدخل أسهم في استفزاز وشحن الشعور القومي لدى نسبة كافية من المواطنين الأتراك الذين يستغل أردوغان شعورهم في هجومه المتكرر على الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والنمسا وهولندا و«الغرب الصليبي» عموماً، إذ قال إن هؤلاء يحسدون تركيا على «انتصاراتها ونجاحاتها العظيمة في جميع المجالات».
من جهة أخرى، يأتي الاتفاق التركي ــ الأميركي في قضية منبج، ونجاح أنقرة في إقناع واشنطن بضرورة الضغط على الميليشيات الكردية للخروج من المدينة ومغادرتها إلى غرب الفرات، ليشجعا أردوغان على إلقاء المزيد من الخطوات العملية على طريق استخدام الورقة الكردية في كسب المزيد من أصوات القوميين، وذلك في وقت يتجاهل فيه الإعلام الموالي للرئيس التركي حقيقة الوجود الأميركي العسكري المكثف جنباً إلى جنب مع «وحدات الحماية الكردية» و«قوات سوريا الديموقراطية» شرق الفرات، وأن ذلك يوازن الوجود العسكري التركي المكثف غرب الفرات من جرابلس إلى الباب ومنها إلى أعزاز وعفرين وإدلب وقريباً منبج. وفيها يجري التنسيق والتعاون العسكري التركي مع العشرات من الفصائل المنضوية تحت اسم «الجيش الحر»، مع استمرار تدفق عشرات الآلاف من المسلحين وعائلاتهم إلى هذه المناطق بعد المصالحات التي تحققت ــ وهي مستمرة ــ بين الدولة السورية والفصائل المسلحة، كما جرى في الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك وأطراف حمص وحماة وقبل ذلك حلب.

يتجاهل الإعلام الموالي لأردوغان أن الوجود القوي للأكراد بدعم من الأميركيين


كل هذه المعطيات تدفع أردوغان إلى اتخاذ قراره بالتدخل في الشمال العراقي والتوغل نحو مئة كيلو متر، حيث جبال قنديل، المعقل الرئيسي لـ«حزب العمال الكردستاني التركي»، إذ شدد أكثر من مرة على أن بلاده مصمّمة على القضاء على الحزب، أكان داخل تركيا أم خارجها، بل إنه يعتقد أن دخول الجيش التركي إلى قنديل ورفع العلم هناك، كما حدث في عفرين، سيكون كافياً لرفع معنويات الناخب التركي، وقد ترافقه مشاهد أخرى تثبت إرهاب «العمال الكردستاني»، مقابل قوة الدولة التركية للقضاء على هذا الاٍرهاب.
قد يحدث هذا من دون أن يتذكر المواطن التركي أن جيشه قد توغل برياً داخل الشمال العراقي 27 مرة منذ 1989 لكن من دون أن يحالفه الحظ في القضاء على «الكردستاني» الذي تعرضت مواقعه هناك لآلاف الغارات الجوية كما الحال داخل تركيا نفسها التي تحارب هذا الحزب منذ ٤٠ عاماً، مع أن الدولة التركية قتلت أكثر من ٤٠ ألفاً من عناصر الحزب حتى الآن. هذا كله لَم يكن كافياً لمنع ازدياد شعبية «الكردستاني»، إذ حصل جناحه السياسي، «حزب الشعوب الديموقراطي»، في آخر انتخابات برلمانية (تشرين الثاني 2015) على ما يزيد على ستة ملايين صوت من أصل ٤٥ مليوناً هم عدد الناخبين في البلاد.
جراء ذلك كله، لَم يتأخر قادة المعارضة في التشكيك في قرار أردوغان، إذ قال متحدثون باسم «الشعب الجمهوري» إن جميع مقاتلي «الكردستاني» قد غادروا جبال قنديل وهم الآن في الشمال السوري برعاية وحماية ودعم مباشر من واشنطن، أي إن الكيان الكردي السوري صار جاراً لتركيا على طول 600 كلم من الحدود، إذ إنها بطول 911 كلم، في ظل أن الباقي تحت سيطرة الجيش التركي والفصائل السورية المتحالفة معه.
ويبدو أن التوقيت الزمني وردود الفعل الإقليمية والدولية على القرار التركي باجتياح الشمال العراقي قد جاءت كلها لمصلحة أردوغان، خاصة السكوت الإيراني على مثل هذه الخطوة، ربما للضغط على الميليشيات الكردية في سوريا المتحالفة مع الأميركيين، خاصة أن الدولة العراقية غير قادرة الآن على الرد بسبب الظروف السياسية والأمنية المعقدة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية هناك. وكان الإعلام العراقي قد تحدث عن ورقة المياه التي استخدمتها أنقرة للضغط على بغداد من أجل إجبارها على تجاهل الحملة العسكرية التركية. ويفسر ذلك قرار الرئيس التركي تأجيل إغلاق منافذ سد اليسو على نهر دجلة إلى ما بعد الجولة الثانية من الانتخابات التركية في 8 تموز المقبل، علماً بأن بغداد تجاهلت قبل الاحتلال الأميركي وبعده وجود القوات التركية على أراضي البلاد منذ 1994، إذ جاءت القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية إلى تركيا صيف 1993 لحماية أكراد العراق (شمال خط العرض 36)، وبقيت تلك القوات في تركيا حتى الاحتلال الأميركي للعراق. أما الوجود التركي، فبقي في نحو عشرة مواقع شمالي العراق.
والآن يبقى الرهان الاستراتيجي على مجمل هذه المعطيات التي ستضطر أنقرة إلى إعادة النظر فيها في حال انتصار إينجا في الانتخابات المقبلة. فالقدر المتيقن أنه سيغيّر كثيراً في السياسة الداخلية والخارجية، محقّقاً «ثورة سياسية» كما يرى مراقبون. وقال إينجا في كل خطاباته حتى الآن إنه سيتصالح مع الرئيس السوري بشار الأسد فوراً، فيما كان زعيم «الشعب الجمهوري»، كليجدار أوغلو، أكثر وضوحاً وحسماً، إذ يقول إنه سيدعو زعماء سوريا والعراق وإيران إلى قمة عاجلة في إسطنبول لإعلان تشكيل «منظمة السلام والتعاون الشرق أوسطية» كي تسهم في حل جميع مشكلات الدول الأربع والمنطقة عموماً.