المئات من المقابلات وصفحات التحليل أغرقت لقاء دونالد ترامب بكيم جونغ أون في سنغافورة، لسبر أغوار ذلك اللقاء الذي كان حدثاً كذّب الكثير من توقعات وضعته في خانة المستحيل. ولأن الواقعة جرت دون أن تخرج بأكثر من اتفاق مبادئ عام، لا بد من العودة لفهم دوافع الإدارة الأميركية من الاتفاق. ليس أفضل من لغة ليونيل فيرون، وهو دبلوماسي لا يساوم في عباراته من أجل وصف الاتفاق بأنه «لا لب له ولا مضمون»، وأن الهدف منه هو تجميد الملف الكوري من أجل التفرغ لإيران

ليونيل فيرون أكثر من خبير سياسي في الصين. معرفته الوثيقة بإمبراطورية الوسط تعرجت عبر عواصم كثيرة في العالم إلى ما تتيحه مهنة الدبلوماسية التي تمرس بها في العراق، وفي دول آسيوية كثيرة، قبل أن يعود منها مستشاراً استراتيجياً في وزارة الدفاع الفرنسية، وخبيراً في شؤون الشرق الأوسط. أكاديمي في لحظة لاحقة من مسيرته المهنية في «المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية»، و«المعهد العالي للأعمال»، وكلية الحرب. وهو باحث رئيسي في «معهد دراسات العلاقات الدولية والسياسية العامة» (شارهار) في بكين. «التحدي الصيني»، «التهديد الصيني»، «التحديات والأساطير والوقائع المرتبطة بصعود الصين»، «الاستراتيجية الصينية في المتوسط والشرق الأوسط»، «تهديد صيني أو انحدار للغرب»، كان يمكن أيضاً إضافة عناوين كتب أخرى تعكس غزارة المسيرة، وفائض الخبرة.
«كل ما يتردد في الإعلام عما جرى بين (الرئيس الكوري الشمالي) كيم جونغ أون و(الرئيس الأميركي) دونالد ترامب محض خيال سياسي»، يجزم ليونيل فيرون، مضيفاً: «أعتقد أن هناك اختلافاً في المقاربة الأميركية نفسها على الأهداف، فهناك أولاً ترامب الذي نعرفه المتقلب على رأيه في لحظة وفي أي ملف، كما تبين ذلك عندما حكم أن القمة مع كيم لن تعقد. وعلى المقلب الثاني، نرى بعض العناصر في إدارته، وبينهم من هو محلل استراتيجي وعددهم يقل عما كان عليه في إدارة جورج بوش، ولكنهم ثابتون على المستوى الاستراتيجي. من بينهم مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي لا يتملكه شيء أكثر من هوسه بدفع ترامب نحو ما يعتبره القرار العقلاني. لكن ترامب رجل لاعقلاني مهما قيل عن مواهبه التفاوضية. في ما يتعلق بالملف النووي الكوري الشمالي، هناك مرجعيتان للتحليل ولاتخاذ القرار، هناك ترامب وبولتون ولكن هدفهما واحد هو إخضاع كوريا الشمالية. إن دوافع ترامب شخصية جداً، وهو يسعى إلى دخول التاريخ من بوابة الاتفاق مع كوريا، لكنه لا يعي التبعات الفعلية لما يعنيه ذلك الاتفاق باستثناء أنه سيتمكن من تشييد «برج ترامب» على السواحل الكورية، وقد يظهر الأمر طريفاً، ولكن ما إن يتعلق بترامب، فهو بعيد جداً عن الطرافة. إن الاستراتيجي الوحيد له هو مصالح أسرته ومصالحه الخاصة. من جهة أخرى هناك بولتون، وهو شخصية معقدة تسعى إلى تحييد كوريا الشمالية مؤقتاً حتى لو لم يكن مؤمناً بهذا الاتفاق، ليتسنى له التركيز على إيران».
الاتفاق الحالي أجوف لا لب فيه، لكن كيم التزم أمام ترامب بتطهير شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية؟ «لقد وقعت اتفاقات مشابهة في الماضي، ولكن أحداً من أطرافها لم يلتزمها، ولا أرى كيم جونغ اون يوافق على بنود إجبارية. كيم لا يثق بترامب، ولا ببولتون، وهو أكثر عقلانية من ترامب. إن الشاغل الأول لكيم هو الحصول على الاعتراف الدولي والتفاوض نداً لند مع الرئيس الأميركي بعد شيطنة كوريا الشمالية عقوداً طويلة، وقد حقق إنجازاً كبيراً. وهناك ثانياً الشاغل الأمني للحفاظ على نظامه، وهو لم يأخذ ضمانات بشأنها من الولايات المتحدة بل من الصين، في الزيارتين اللتين سبقتا اجتماعه بترامب في سنغافورة».
«تحقق لحظة «سنغافورة» استراحة في التوتر الصيني - الأميركي، والرهان هو أن تتمدد تلك اللحظة إيجابياً في مجرى العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. ليس للصينيين أي ثقة بالولايات المتحدة خصوصاً عندما يكون رئيسها شخص مثل ترامب، والعلاقات كانت أفضل في ظل باراك أوباما. أظهر تاريخ العلاقات بين البلدين، منذ إدارة بوش الابن مروراً بأوباما وصولاً إلى ترامب، انعدام الثقة بينهما».

من مصلحة بكين الاستقرار في آسيا لكن واشنطن عامل تهديد


«انظروا إلى ترامب الذي يعلن على الملأ صداقته الشخصية لشي جين بينغ، ويشيد به قائداً كبيراً للصين، فيما يتبع من الجهة الثانية سياسة تضر بالصين. ننسى على الدوام أن الصين لم تؤيد ولا تؤيد التسلح النووي لكوريا الشمالية، إن النووي في شبه الجزيرة الكورية هو كابوس الصين. أعتقد أن الصينيين أبلغوا كيم أنه غير مجبر على تقديم كل التنازلات التي يطالب بها الأميركيون، ولكن عليه أن يحد من برنامجه النووي».
«الصينيون لا يريدون تفكيك البرنامج النووي الكوري، وإلا لفعلوا ذلك، ولكنهم يريدون إعطاء ضمانات عبر تحجيمه، وقد عملوا كثيراً للتقريب بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. العلاقات بين بكين وسيول كانت على الأرجح ممتازة إلى أن نشرت بطارية الصواريخ «ثاد» الأميركية المضادة للصواريخ».
«الصين تمنح لعلاقاتها مع كوريا الجنوبية الأولوية على كوريا الشمالية، فالتعاطي مع الجنوب يدر عليها أرباحاً أكبر من الشمال. وإذا كان النظام الكوري الشمالي لغزاً صفيقاً للأميركيين والأوروبيين، كذلك الأمر للصين. الصينيون أبلغوا كيم أن كل اتفاق يمكن التوصل إليه مع الأميركيين سيكون جيداً وسيؤدي إلى تخفيف التوتر، خصوصاً إذا ما تذكرنا أننا كنا العام الماضي على حافة الحرب بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة. الصين تريد التهدئة في محيطها المباشر، والهدوء في شبه الجزيرة الكورية هدف استراتيجي للصين. وكيم ليس غبياً، ويدرك أنه مدين للصين؛ نظامه بقي لأن الصين لا تزال تريد ذلك. وقد صارح الصينيون جورج بوش الابن في الماضي بأن أياماً أو أسابيع تكفيهم لإسقاط النظام في بيونغ يانغ. لقد قالوا ذلك لبوش في إطار عرض قدموه إليه يتضمن خروج القوات الأميركية من شبه الجزيرة الكورية لقاء موافقة الصين على إسقاط النظام في كوريا الشمالية وتوحيد الكوريتين. رفض الأميركيون العرض الصيني. ولكن الصينيين لن يقبلوا بإسقاط النظام الكوري الشمالي، ولن يكون هناك حلّ سياسيّ ما دام ثمة أميركيون وقواعد لهم في كوريا الجنوبية وفي شبه الجزيرة الكورية، وما دامت الولايات المتحدة تواصل سياسة محاصرة الصين».
لم ينعكس اتفاق المبادئ على استراتيجية الولايات المتحدة لمحاصرة الصين، هذه السياسة لا تزال مستمرة؟ «لا أعتقد أنها ستتغير، كانت هذه السياسة واضحة جداً في عهد أوباما، كما أن الإدارة الحالية لن تتخلى عن سياسة الاحتواء والمحاصرة على المديين المتوسط والبعيد. والاستراتيجيون الأميركيون واضحون جداً بالتمسك بهذه السياسة، ويرددون أنه من غير المسموح أن تترك الصين لصعودها الاقتصادي والسياسي وأن تشع في محيطها المباشر وفي آسيا كلها».
أحد دوافع ترامب لعقد اتفاق مع كيم هو تجميد الجبهة مع كوريا الشمالية من أجل التفرع لاحتواء إيران؟ «نحن على قناعة أن أحد دوافع مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، لدعم الاتفاق، هو تحييد كوريا المؤقت فيما يتعدى المسألة النووية، من أجل التفرغ لمواجهة طهران». «هناك فرق كبير على المستوى الدولي بين الأزمتين الكورية والإيرانية، فكوريا الشمالية لا تطرح مشكلة كبيرة لأحد باستثناء كوريا الجنوبية واليابان والأميركيين. وفي الحقيقة أعتقد أن الجنوبية أقرب إلى الصين منها إلى الولايات المتحدة، وهي تدرك أن الصين باتت تحميها وتحمي الشمالية. والصينيون لا يرغبون في رؤية أي أزمة تؤدي إلى هجوم الشمال على الجنوب، والجنوبيون مطمئنون إلى ذلك ويبحثون عن حل سياسي سلمي».
إذا ما تمعنا عن قرب بالملف الكوري، فسنجد الأوروبيين لا مبالين، لأنه لن يكون له أي تاثير استراتيجي فيهم. أما الملف الإيراني، فمركزي لأنه يعني الأوروبيين والروس والأميركيين والصينيين وبلدان الخليج وإسرائيل.
«على المستوى الدبلوماسي يملك الملف الإيراني قدرة على التأثير عالمياً أكثر بكثير من الملف الكوري. لا أحد يمكن أن يتخيل أن تهاجم كوريا الشمالية أوروبا بالسلاح النووي مثلاً. أما الملف الإيراني، فيملي هوساً جنونياً فيدفع إلى تصور أسوأ السيناريوات لدى إدارة ترامب والسعوديين وإسرائيل. إن إيران اليوم هي الهدف المفضل لـ«محور الشر» الجديد الذي يضم تحالفاً عالمياً من فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية. بالنسبة إلى الولايات المتحدة من غير الممكن معالجة هذا الملف والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية، بل ينبغي زعزعة استقرار إيران، لذلك هناك قناعة تشترط تحرير الأيدي الأميركية من الأزمة الكورية للتفرغ كلياً لمواجهة طهران. أما الصين، فدعمت العقوبات ضد إيران عندما كانت محدودة، وحاولت على الدوام التخفيف منها لتشجيع الإيرانيين على تقديم مبادرات وتنازلات. هذا يذكرني بالعقوبات التي فرضت على عراق صدام حسين الذي لبى جميع الشروط التي فرضت عليه دون أن يؤدي ذلك إلى رفع عقوبة واحدة عن العراق حتى عملية الصدم والترويع عام ٢٠٠٣، لذلك يحضرني اليوم إزاء إيران التساؤلات نفسها التي انتابت العراقيين عن الفائدة من تقديم المبادرات وإبداء حسن النية ما دام الخصوم على المستوى الدولي لا يعترفون بها. وأفترض أن الإيرانيين يحدثون أنفسهم أنهم وقعوا اتفاقاً لا فائدة منه، وأن الاتفاقات الدولية لا قيمة لها لأنه من الممكن لطرف دون غيره أن يلغيها بضربة واحدة، وأن الموقعين الآخرين عليها من الأسرة الدولية، أي الأوروبيون، لا يملكون الشجاعة للتصدي بحزم وعلناً للولايات المتحدة، والسؤال الآن هو ما الفائدة من إطار متعدد الأطراف، بينما يبين الواقع أن المفاوضات هي بين الولايات المتحدة وإيران، وأنه لا فائدة من الأوروبيين، بل ما الفائدة من التفاوض وتوقيع الاتفاقات».
هل العلاقات جيدة فعلاً بين كوريا الجنوبية والصين؟ «الصينية هي اللغة الأجنبية الأولى التي يتم تعليمها في كوريا الجنوبية في المدارس والمعاهد والجامعات، هناك رؤية براغماتية لدى الطرفين. فكوريا الجنوبية شريك تجاري مهم جداً للصين. والأخيرة سوق ضخم للسلع الكورية الجنوبية والاستثمارات، كما لا وجود لأي بعد أيديولوجي للعلاقات بينهما، وهما شريكان تجاريان اقتصاديان، وبوسع الصين التعامل مع الجنوبية بالسهولة نفسها التي تتعامل بها مع الشمالية. لا توجد مشكلة كورية جنوبية للصين إلا عندما وافقت على نشر درع الصواريخ «ثاد» الأميركي فوق أراضيها، لكنها أزمة تسبب فيها طرف خارجي، ولم يكن ممكناً للجنوبيين الاعتراض على مشيئة الأميركيين الذين مارسوا ضغوطاً كثيفة عليهم».
بالاستماع إلى فيرون، يمكن الاستخلاص أنه من مصلحة الصين الحفاظ على الاستقرار في آسيا، بينما تشكل الولايات المتحدة وتدخلاتها عامل تهديد للاستقرار. «الحقيقة أن الولايات المتحدة تزعزع النظام العالمي، والقوة العسكرية الأميركية تزعزع العلاقات بين الدول، وهو عنصر منع استقرار لأنه يثير لدى دول كثيرة تقع تحت الحماية الأميركية رسمياً، كما نرى لدى اليابان، الشعور بالهشاشة إزاء بكين وهذا ليس صحيحاً. الصين اليوم كما في العصر الإمبراطوري وحتى مطلع القرن التاسع عشر هي تلك القوة الآسيوية العظمى التي كانت تمارس تأثيراً كبيراً على محيطها الآسيوي، واليابان تعي تماماً موقعها الأدنى استراتيجياً إزاء الصين، لذلك تلعب بورقة الحماية الأميركية لاستفزاز الصين، والأميركي بوجوده يزيف التوازن الإقليمي. من دون المظلة الأميركية لا يوجد مبرر للصين لكي تهاجم اليابانيين، ولكان هؤلاء بدورهم ألين عريكة وأقل استفزازاً لها».