«اقتصاد إيران على وشك الانفجار». بهذا العنوان عنونت صحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية الإيرانية آخر أعدادها. بالنسبة إلى حكومة الرئيس حسن روحاني، قد يكون دق ناقوس «الانفجار» أمراً مبالغاً فيه، لكن الأسواق والتجار ومعهم الشارع بدأوا برفع الصوت تخوّفاً من عدم قدرة الإجراءات الحكومية على ضبط الأوضاع في ظل مواصلة العملة هبوطها، مع ما يرافق ذلك من أضرار أبرزها ارتفاع حاد للأسعار. ومع أن حكومة روحاني اجتازت سابقاً الاختبار الاقتصادي بنجاح من خلال تجديد الثقة بالرئيس في الانتخابات الأخيرة، فإن الواقع الحالي يبدو أشد تعقيداً وصعوبة، خصوصاً عشية عودة العقوبات الأميركية إلى حيّز التنفيذ.

تسبّب هبوط جديد لسعر صرف العملة في السوق الموازي بتصويب الاتهامات إلى الحكومة الإيرانية، حيث وصل سعر صرف الريال مقابل الدولار إلى 87 ألفاً، صعوداً من قرابة 74 ألف ريال قبل نهاية الأسبوع. ارتفاع يشي بنشاط السوق السوداء وفشل نسبي للتدبير السابق الذي اتخذته الحكومة في أيار/ مايو الماضي، حين وحّدت سعرَي السوقين الرسمية والسوداء بمستوى 42 ألف ريال، مع إقرار ملاحقات رادعة لاستخدام العملات الأجنبية خارج المصارف أكثر من الحجم المحدد. أزمة العملة الوطنية، ومعها الارتفاع القياسي في أسعار السلع، دفعا بعض التجار وسط العاصمة طهران إلى إغلاق أسواقهم احتجاجاً، وفق ما أفادت به بعض المواقع الإخبارية الإيرانية. في المقابل، طمأن مستشار الرئيس الإيراني، حسام الدين آشنا، أمس، المواطنين إلى أن «الأسعار ستنخفض قريباً».
وانتشرت على نطاق واسع في البلاد مواجهة مواطنة للرئيس روحاني، التقت به في مرتفعات طهران وهو يتجول في الصباح بلباس رياضي، حيث اتهمته بارتداء ملابس تحمل ماركات شركات غربية في ظل ما يشهده الوضع الاقتصادي. مجابهة المرأة مع روحاني استدعت رداً من رئيس مكتبه الذي قال: «ليست المرة الأولى التي يذهب فيها الرئيس روحاني إلى الجبل... هل هناك مشكلة إذا كان الرئيس يذهب في الساعة السادسة صباحاً إلى الجبل بينما الآخرون يغطون في نومهم؟». وإن كان السجال الذي وقع فيه روحاني هامشياً بحد ذاته يستفيد منه الخصوم السياسيون، إلا أن الاهتمام به يكشف جانباً من الواقع السياسي في إيران، حيث بات فريق روحاني أمام تحدي تلقّي الاتهامات والمساءلة، وبالتالي إثبات قدرته على مجابهة الأزمة الاقتصادية الداهمة من دون تلكّؤ.
ورغم أن من المبالغة القول إن ما تواجهه طهران أزمة اقتصادية مكتملة الأركان، فإن ما يحذر منه الساسة في الجمهورية الإسلامية هو عدم المبادرة إلى اجتراح الحلول في الوقت المناسب والسماح للأوضاع بالانزلاق أكثر. مهمة ليست بالمستحيلة، لكنها ليست سهلة وسط ضغط العامل السياسي والحرب الخارجية ضد إيران، وتداعيات انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، واقتراب دخول العقوبات الأميركية حيّز التنفيذ، فضلاً عن العوامل الداخلية التي تتحدث عن الفساد والتقصير في بعض المجالات. لكن الملف الرئيس، بالنسبة إلى المراقبين، يبقى في إمكان صياغة خارطة طريق تتواءم وعودة العقوبات والتعامل مع الاتفاق النووي من دون الأميركيين. بحسب وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، فإن التمسك بالاتفاق هو السبيل الوحيد المتاح أمام البلاد، بل إن ظريف حذّر أمس من أن «فشل الاتفاق سيكون خطيراً جداً» على إيران، معتبراً أن «الهدف الاستراتیجي لأمیركا هو انسحاب إیران من الاتفاق النووي»، قبل أن يستدرك بالقول: «بالطبع، هذا لا یعني أننا لن نخرج تحت أي ظرف من الظروف من الاتفاق، ولكننا نعرف هدف الطرف الآخر». وغمز ظريف من قناة المنتقدين للحكومة قائلاً إن «هدف العدو لیس نظام الجمهوریة الاسلامیة ولیس حكومة روحاني، بل إیران... یریدون تدمیر إیران»، مضيفاً: «لا تعتقدوا أنه لو ذهب روحاني، فإن الأصولي (المحافظين) سینجح، وعلى البعض أن لا یتصور أنه سیتسلم الحكم إذا فشلت الجمهوریة الإسلامیة».

أزمة العملة دفعت بعض التجار وسط العاصمة إلى إغلاق أسواقهم


ظريف، الذي كان يتحدث في اجتماع مع غرفة التجارة الإيرانية، رأى أن «الدبلوماسية باستعراض القوارب الحاملة للمدافع» باتت من الماضي، والمطلوب قوة اقتصادية إلى جانب القوة العسكرية، رافضاً فكرة وجود أخطاء أدت إلى انسحاب أميركا من الاتفاق النووي، إذ إن واشنطن انسحبت أيضاً من اتفاقيات دولية أخرى، مضيفاً أن «أمیركا انتهكت أیضاً القواعد الدولیة، لماذا نتخلى عن المنجزات، ونضع التوقعات ونؤثر على السوق؟». وتابع أن «بلادنا تدخل في مرحلة صعبة، ولكننا اعتدنا الصعوبات، فقد أدرنا الحرب بنفط كانت قیمته ثمانية دولارات فقط، هل الیوم وبینما أسعار النفط تبلغ 75 دولاراً لا یمكننا السیطرة على الوضع؟». وبشأن الحوار مع الأوروبيين حول الحفاظ على الاتفاق النووي، لفت ظريف إلى أن «الشركات الصغيرة والمتوسطة بإمكانها أن تحلّ محل الشركات الكبرى... ويجب تشكيل لجنة في غرفة التجارة لتحديد الشركات الإيرانية الصغيرة والمتوسطة ونظيراتها الأوروبية»، مشدداً على أن «لأوروبا مصالح استراتيجية في حفظ الاتفاق». وتبيّن تصريحات ظريف أن رهان فريق روحاني اقتصادياً ينصبّ في جانب منه على التعاون مع الأوروبيين، وهو ما سيسعى إليه روحاني في جولة أوروبية مطلع الشهر المقبل، ستقتصر على كل من النمسا وسويسرا.