إسطنبول | خلافاً لنتائج استطلاعات الرأي، كرر الرئيس رجب طيب أردوغان، انتصاره عبر الحصول على 52.5 في المئة من مجموع أصوات الناخبين، ليبقى في منصبه رئيساً للجمهورية، لمدة خمس سنوات جديدة يحق له أن يعيدها مرة واحدة وفق الدستور الحالي، الذي منحه صلاحيات مطلقة بلا حدود في جميع المجالات. وجاء هذا الانتصار بفضل دعم «الحركة القومية» التي حصلت في الانتخابات البرلمانية على 11% من الأصوات، مقابل 42.5% لحزب «العدالة والتنمية»، الذي تراجعت أصواته عن آخر انتخابات برلمانية في تشرين الثاني من عام 2015، إذ كانت حينها بحدود 49.5%، وحصدت له 317 من مقاعد البرلمان (عددها الكامل 550)، فيما حصّل الآن 293 من أصل 600 مقعد.

وأثارت هذه النتائج سلسلة من التساؤلات، خاصة في ظل السكوت الذي خيّم على زعماء المعارضة الذين اختفوا بعدما بدأت وسائل الإعلام نشر نتائج الانتخابات، التي كانت في البداية تشير إلى فوز أردوغان بنسبة 62% وفق ما نقلته وكالة «الأناضول» الحكومية. وغرّد محرم إينجه، عبر «تويتر»، داعياً أنصاره إلى عدم تصديق هذه الأرقام والبقاء في مواقعهم لحماية صناديق الاقتراع، والاستعداد للتجمع أمام مقارّ اللجان المحلية واللجنة العليا للانتخابات في أنقرة. ولكن هذا لم يحدث، لأن إينجه ومعه زعيم حزبه «الشعب الجمهوري» كمال كليشدار أوغلو، وزعيمة حزب «الخير» ميرال أكشينار، وزعيم حزب «السعادة» الإسلامي تامال كاراموللا أوغلو، اختفوا جميعاً، ولم يسمع أحد منهم أي تعليق، على الرغم من تشكيكهم في البداية، بنتائج الانتخابات، وتهديدهم قبلاً بمداهمة مقر اللجنة العليا للانتخابات في أنقرة. وعبّر الكثير من الأتراك على شبكات التواصل الاجتماعي، عن استغرابهم من اختفاء زعماء المعارضة ليلة الأحد، وطوال يوم أمس، وتحدث البعض عن تعرض هؤلاء الزعماء لتهديدات مباشرة أو غير مباشرة من أردوغان، الذي «فرض عليهم هذه النتيجة وأجبرهم على القبول بها»، قبل أن يكذّب إينجه، وحده، هذه الدعايات، بالقول إن «الفرق بيني وبين أردوغان نحو عشرة ملايين صوت، لذلك لم يكن علي إلا القبول بالنتيجة».
واختلفت التفسيرات حول سرّ نجاح الرئيس أردوغان في الحفاظ على شعبيته خلال 16 عاماً، برغم المشاكل الداخلية والخارجية، التي يبدو أنه نجح في تحويلها إلى مفاتيح مهمة في حملته الانتخابية، وأقنع ناخبيه بأن كل الأعمال العسكرية في سوريا، وخاصة في عفرين وجرابلس ومنبج، هي لحماية أمن تركيا واستقرارها، من مخاطر الإرهابيين والمقصود بهم «حزب العمال الكردستاني». كذلك، أقنع أردوغان ناخبيه بأن «الغرب الصليبي المتحالف مع إسرائيل» يتآمر على تركيا والعالم الإسلامي، وأنه هو الوحيد الذي يستطيع التصدي له والانتصار عليه، وهو في خطاباته يهدد ويتوعد زعماء الدول الغربية. ونجح أردوغان في مساعيه لإقناع أنصاره والرأي العام التركي عموماً، بأن الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تعرضت لها تركيا خلال الشهر الماضي، كانت في إطار «مؤامرة إمبريالية استعمارية صهيونية»، تكالبت خلالها الدول الغربية ضد تركيا «زعيمة الأمة الإسلامية ووريثة الإمبراطورية العثمانية العظيمة». ولم يجد كثيرون تفسيراً منطقياً لاحتفاظ «الحركة القومية» بنحو 11% من أصوات الناخبين، برغم أن زعيمها دولت بهشتلي، لم يقم بأي حملة دعائية انتخابية عقب الهجوم العنيف الذي طاوله من كافة الأطراف، بسبب تحالفه المفاجئ مع عدوه اللدود سابقاً، أردوغان.
ويستعد أردوغان مباشرة لاختيار طاقمه الجديد، إذ لم يعد في تركيا منصب رئيس وزراء، والوزراء ليسوا من أعضاء البرلمان. وسيختار الرئيس ثلاثة نواب له، فيما ستكون جميع المناصب السياسية تابعة له مباشرة كرئاسة الأركان والمخابرات وقوى الأمن، وسيخضع الجهاز القضائي بأكمله لسلطاته خضوعاً مباشراً وغير مباشر. وتتوقع أوساط المعارضة للرئيس أردوغان أن يتابع خطاه بنحو أسرع في أسلمة الدولة والمجتمع، والتخلص من آثار النظام العلماني الأتاتوركي، وتأسيس «الجمهورية الثانية»، التي سيحدد هو شخصياً، طابعها وعقيدتها السياسية والفكرية والثقافية. كذلك تتوقع أوساط سياسية وإعلامية للرئيس أردوغان، أن تكون مواقفه بين القومية والبراغماتية، على صعيد السياسة الخارجية وفي تحديه للدول الغربية. وطوال الفترة الماضية، لم يصدر أي رد فعل واضح من العواصم الغربية على تصريحات أردوغان، وتجنب زعماؤها انتقاد سياسات أردوغان غير الديموقراطية، برغم أن أجواء الانتخابات لم تكن عادلة، لكون أردوغان استفاد من كل إمكانات الدولة ووضع مرشح «الشعوب الديموقراطي» صلاح الدين دميرتاش في السجن، وسيطر على تسعين في المئة من وسائل الإعلام الخاصة والحكومية لمنع المعارضة من الاستفادة منها، بالإضافة إلى إجراءات أخرى حققت له التفوق العملي والنفسي على المعارضة.