بلغ أرصن المدافعين عن «القيم الغربيّة» مرحلة القنوط، فبالنسبة لهم صارت أوروبا تعاني من أوتوقراطيّتين شعبويّتين على حدودها الشرقيّة: روسيا - بوتين وتركيا - أردوغان.

بالنسبة لزعماء الاتحاد الأوروبيّ السياسيّين لا توجد سوى سرديّة واحدة مقبولة، وهي الإدانة الشاملة والهستيريّة لـ«الديموقراطيّات غير الليبراليّة» التي يشوبها الحكم الفرديّ والعداء للأجانب وقمع حريّة التعبير. وينطبق ذلك أيضاً على حكام هنغاريا، النمسا، صربيا، سلوفاكيا والتشيك.
زعماء الاتحاد الأوروبيّ والمؤسسات الداعمة لهم - الأحزاب السياسيّة، الأكاديميا، الإعلام الجماهيريّ - لا يمكنهم فهم كيف ولماذا لا تعكس الفقاعة التي صنعوها حقيقة ما يفكّر ويشعر به الناخبون.
بدل ذلك، يوجد مثقفون غير مؤثرين يقيمون الحداد على تآكل المهمّة الغربيّة الحضاريّة النبيلة، ويوظفون دوامة فلسفيّة تشمل إحالات تاريخيّة وحتّى إنجيليّة لبيان قلقهم.
ترعبهم شخصيات شبيهة بدارث فادر [من سلسلة حرب النجوم] - من بوتين وأردوغان إلى شي جين بينغ وخامنئي. وبدل فهم الصبغة الجديدة لتبصّر أرنولد توينبي الأصليّ - التاريخ يسير مرّة أخرى - يتمرّغون في وحل مقولة «الغرب ضدّ البقيّة». لا يمكنهم فهم مسار إعادة التشكّل الأوراسيّ الهائل، ويشمل ذلك العجز عن فهم الشعبيّة الكبيرة التي يحظى بها رجب طيّب أردوغان في تركيا.

سلطان ومدير تنفيذيّ
مستفيداً من نسبة مشاركة وصلت إلى 85 في المئة ونسبة أصوات بلغت 52.5 في المئة - أي بلا المرور إلى جولة ثانية - صار أردوغان الآن جاهزاً لحكم تركيا، جامعاً على نحو آسر بين دورَي السلطان والمدير التنفيذيّ.
في ظلّ الترتيب الرئاسيّ الجديد في تركيا - وهو من بنات أفكار أردوغان - ألغي منصب رئيس الوزراء الذي شغله أردوغان نفسه لثلاث دورات قبل انتخابه رئيساً للمرّة الأولى في 2014. وفي حين يمكن له إدارة الجهازين التنفيذيّ والقضائيّ، لا ينطبق الأمر على الجهاز التشريعيّ، إذ بعد حصوله على 42.5 في المئة من الأصوات، ما يعني 295 مقعداً، خسر حزب العدالة والتنمية الغالبيّة البرلمانيّة للمرّة الأولى خلال 16 عاماً، ويجب عليه الآن تأسيس تحالف مع حزب الحركة القوميّة المنتمي إلى أقصى اليمين.
يمكن لتأويل متشائم القول إنّ ذلك تحالف مسموم بين الإسلام السياسيّ غير المتسامح وأقصى اليمين الفاشستي - وكلاهما بالطبع قوميّ متشدّد. لكنّ الحقيقة مع ذلك مختلفة بعض الشيء. فباعتبار أنّ حزب الحركة القوميّة معادٍ للغرب أكثر حتى من حزب العدالة والتنمية، فإنّ خريطة الطريق قد تشير من الناحية الجيوسياسيّة إلى اتجاه وحيد: الاندماج الأوراسيّ. في نهاية المطاف، لن يصل مسار التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبيّ، المعطّل بصفة دائمة، إلى أي مكان؛ بالنسبة لبروكسيل، أردوغان ليس أكثر من ديموقراطيٍّ مُزيّف، غير ليبراليّ وغير مرحب به.
بموازاة ذلك، تعرضت نزعة أردوغان «النيو - عثمانيّة» إلى اختبار واقعيّ، حيث فشلت استراتيجيّته هو ورئيس وزرائه داوود أوغلو في سوريا. لكن مع ذلك، لم يختف الهاجس الكرديّ، خصوصاً بعد نجاح عمليّات درع الفرات وغصن الزيتون ضدّ وحدات حماية الشعب المدعومة أميركيّاً، التي يعتبرها أردوغان امتداداً لحزب العمال الكردستانيّ. تسيطر أنقرة الآن على عفرين التي كانت سابقاً تحت السيطرة الكرديّة، وبعد عقد صفقة تركيّة - أميركيّة، يجب على وحدات حماية الشعب مغادرة منبج أيضاً. وحتى بعد التخلي عن شعار «يجب على الأسد أن يرحل»، فلأسباب عمليّة ستُبقي أنقرة موطئ قدم لها في سوريا، وهي منخرطة في مسار أستانة للسلام إلى جانب روسيا وإيران.

اجعلها جسراً
كانت السياسة التركيّة منحصرة بين يمين الوسط ويسار الوسط، لكن كان الجيش العلمانيّ يحركهم دائماً كالدمى. كان يتم دائماً احتواء اليمين الدينيّ - فقد كان الجيش يرتعب من شعبيّة على امتداد الأناضول.
عندما بدأ حزب العدالة والتنمية سلسلة انتصاراته في 2002، كان يميل لمصلحة أوروبا علناً (لم تحدث لاحقاً أيّ معاملة بالمثل). غازل الحزب الأكراد أيضاً، الذين كانت غالبيّتهم المطلقة ريفيّين محافظين دينيّاً، وتقارب الحزب وأردوغان حتى مع «الغولانيّين»، لكن بعد ترسيخ قبضتهم الانتخابيّة صارت مواقفهم أكثر خشونة.
وقد تكون نقطة التحوّل هي حركة منتزه جيزي في 2013. وفي 2015 بدأ حزب الشعوب الديموقراطيّ، اليساريّ والمساند للأكراد، في البروز وانتزاع الأصوات الانتخابيّة من حزب العدالة والتنمية. ردّ أردوغان من خلال وضع استراتيجيّة للخلط بين حزب الشعوب وحزب العمال الكردستانيّ ووصفه بـ«الإرهابيّ»، وهو أمر مناف للعقل.
تمّ وضع قادة الحزب في السجن على نحو متكرّر، وفي الانتخابات الأخيرة، قاد زعيم الحزب صلاح الدين دميرتاش الحملة الانتخابيّة من داخل السجن، محذراً: «ما نعيشه هذه الأيام ليس سوى مقدمة نظام الرجل الواحد. الجزء المرعب لم يبدأ بعد». وعلى رغم مواجهة عدد كبير من العراقيل، فاز حزب الشعوب بـ11.7 في المئة من الأصوات، ما يساوي 67 مقعداً.
«نظام الرجل الواحد» جرى تمتينه منذ عامين، بعد إطلاق «الغولانيّين» داخل الجيش الانقلاب الفاشل. ويحمل أردوغان وقيادة حزبه قناعة بأنّ «الغولانيّين» تلقوا مساعدة مهمّة من حلف شمال الأطلسيّ (الناتو). وقد كانت حملة التطهير اللاحقة مُدمرة، حيث طاولت عشرات الآلاف من الناس. أيّ شخص، في أيّ مكان، من الأكاديميا إلى الصحافة، ينتقد أردوغان أو الحرب القذرة الجارية في شرق الأناضول، يتم إسكاته.
يشدّد المؤرخ التركيّ كام إريمتان، على طريقة دفاع أردوغان عن ضرورة إجراء انتخابات مبكّرة من خلال استحضار «التطوّرات التاريخيّة في العراق وسوريا» التي جعلت «من الأهميّة بمكان أن تتجاوز تركيا حالة اللايقين». ويصف إريمتان ما يُسمى «تحالف الشعب» بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بأنّه «توليفة تركيّة إسلاميّة» للقرن الواحد والعشرين، مشيراً إلى «الحجم الكبير لقاعدة حزب العدالة والتنمية واقتناعها التام بأنّ التغيّير الجاري في النظام صائب وأنّ عودة الإسلام إلى الحياة التركيّة العامة قد تأخرت كثيراً».
إذن، سواء كان «غير ليبراليّ» أو شيئاً آخر، يبقى الواقع أنّ الناخبين الأتراك يُفضّلون أردوغان. ربما انتهى الحلم الأوروبيّ للأبد، تتخذ العلاقات مع «الناتو» منحى سيئاً، «النيو - عثمانيّة» حقل ألغام، لذلك يبدو الاندماج الأوراسيّ الوجهة المعقولة.
العلاقات مع إيران مستقرّة، العلاقات الطاقيّة والعسكريّة مع روسيا على غاية من الأهميّة. يمكن لتركيا الاستثمار في الخطط الاقتصاديّة الموجودة على امتداد آسيا الوسطى، خصوصاً أنّ روسيا والصين تغريانها للانضمام لمنظمة شانغهاي للتعاون. قد يتمكّن أردوغان أخيراً من جعل تركيا الجسر الرئيسيّ الرابط بين طرق الحرير الجديدة، أو مبادرة الحزام والطريق، وبين الغرب. تلك صفقة أفضل بكثير من محاولة الانضمام إلى نادٍ لا يريدك أن تكوناً عضواً فيه. «ديموقراطيّة غير ليبراليّة»؟ من يأبه؟
* عن موقع «AsiaTimes»