لم يتمالك رأس الهرم السياسي في تل أبيب نفسه عن التحريض العلني والمباشر للشعب الإيراني ضد نظامه على خلفية الاحتجاج الشعبي في طهران نتيجة تفاقم التضخم وارتفاع سعر صرف العملة. وكشفت مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومعه وزير أمنه أفيغدور ليبرمان، لهذه الخطوة عن أكثر من تقدير خاطئ، يتصل بقراءة الواقع الإيراني وتجذّر النظام الإسلامي فيه.

مع ذلك، ينبغي القول إن المسؤولين الإسرائيليين يتعاملون مع الساحة الداخلية الإيرانية على أنها ساحة الاشتباك الميداني الأكثر أهمية التي تراقبها وتراهن على مفاعيلها، منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخروج من الاتفاق النووي وفرض عقوبات على إيران. ويعود ذلك إلى خلاصة وعبرة انتهى إليها صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، أنه ما دام العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة – إيران – مستقراً ويحقق المزيد من التقدم على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فستتضاءل فرص الانتصار في المعركة الدائرة في سوريا والعراق.
في ضوء فشل كل الرهانات والخيارات التي انتهجوها خلال السنوات السابقة ضد إيران، تقرر العودة إلى تركيز الضغوط على الداخل الإيراني، على أمل أن يؤدي ذلك ــ على أقل تقدير ــ إلى إخضاع النظام أو دفعه إلى المساومات الإقليمية، أو السقوط. لذلك، لم يُخفِ نتنياهو في رسالته المصورة عبر حسابه على شبكات التواصل الاجتماعي، أن خلفيته في هذا التحريض تكمن في الخيارات الاستراتيجية الإيرانية: «إلى الشعب الإيراني أقول: هل تتصورون ماذا كان سيحصل لو أن الحكومة في إيران، وبدل أن تهدر أموالكم في سوريا وفي اليمن وفي حروبٍ غير ضرورية في الشرق الأوسط، استثمرتها في حل المشاكل الحقيقية في إيران؟».
في المقابل، يبدو أن الآمال الكبيرة التي تراود مؤسسات القرار السياسي والأمني في تل أبيب، ومحدودية خياراتهم بعد فشل العديد من البدائل طوال السنوات الماضية، في مواجهة الجمهورية الإسلامية وحلفائها في المنطقة سبّبت دفعهم إلى الخلط بين الوقائع والآمال. ويعود ذلك أيضاً إلى أن تل أبيب لم يعد أمامها سوى الرهان على مفاعيل الضغط الأميركي على الشعب الإيراني، لإبعاده عن النظام، خاصة أن كافة المسؤولين السياسيين والأمنيين يدركون أن فشل هذا الرهان هو آخر الأوراق التي ستترتب عنها تداعيات إقليمية هائلة، على الأمن القومي الإسرائيلي والنفوذ الأميركي في المنطقة. صحيح أن الولايات المتحدة قادرة على التسبب لإيران بأزمات اقتصادية، وصحيح أن تل أبيب قادرة على توجيه ضربات عسكرية هنا أو هناك، لكن هناك فرق دقيق ومهمّ بين القدرة على فرض هذه الوقائع وبين مفاعيلها المؤمَّلة منها. وبالتالي هناك فرق بين القدرة على التسبب بالأزمات الاقتصادية، وبين تداعياتها السياسية الدراماتيكية التي يأملونها ويسعون إليها، خاصة في حال وجود أرضية داخلية تمكن من الصمود الاقتصادي، وهو أمر أثبتته إيران بالتجربة في مواجهة عقوبات دولية شاملة. بل هو من ضمن ما تستند إليه القيادة العليا في إيران في مواقفها المتصلبة بمواجهة الإملاءات والضغوط الأميركية. وأيضاً نتيجة أن خيارات إيران في مواجهة إسرائيل، وبما يتصل بالقضية الفلسطينية، لها منطلقاتها العقائدية إلى درجة أنّ قائد «الثورة» السيد علي خامنئي، اعتبر ردّاً على دعوات تغيير سلوك إيران في ما يتعلق بقضية فلسطين في أكثر من محطة، أن «تغيير السلوك هو تغيير للنظام». ومشكلة الخطأ في هذا النوع من المفاهيم أن مفاعيله لا تقتصر عليه، بل يكون أيضاً منشأً لتقديرات ورهانات خاطئة وفاشلة، قد يحتاج اكتشافها إلى مراحل ومحطات وفترات زمنية متتالية.
مع أن نتنياهو حاول مخاطبة الوجدان الشعبي الإيراني عبر لعبة كرة القدم، قائلاً إنّ «من الصعب التصدي لـ(كريستيانو) رونالدو ومنعه من تسديد هدف، ولكن المنتخب الإيراني فعل ذلك، وأظهر شجاعة في الملعب»، لكن الخطأ الجوهري الآخر الذي ارتكبه أنه لم يلتزم الصمت إزاء هذا الحراك، عندما اعتبر أن «الشجاعة ذاتها» أظهرها الإيرانيون في شوارع إيران، متجاهلاً حقيقة أن أي محاولة خارجية معادية تحاول استثمار حراك داخلي إيراني، ستكون لها ارتداداتها السلبية، بعكس ما يأملونه في تل ابيب. وهي حقيقة تتسم بها الساحة الشعبية الإيرانية.
في الإطار نفسه، لامس نتنياهو أيضاً صعوبات وتحديات فعلية تواجهها إيران على المستوى الاقتصادي والمياه... إلا أن مشكلة أعداء إيران أنهم لم يفهموا الامتداد الشعبي الواسع للنظام، الذي تتعدد عوامله ومنطلقاته، ومن ضمنها أن إيران في ظل نظام الجمهورية الإسلامية، حققت الكثير على المستويات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية. وعلى المستوى الإقليمي، تتعامل إيران مع محيطها على أنه جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، فضلاً عن أن خياراتها في ما يتعلق بفلسطين والمقاومة يتصل بهويتها العقائدية. ومما يفاقم مشكلة الطرح الأميركي – الإسرائيلي، أنه لا يقدم ولا يملك نموذجاً على مستوى المنطقة، يشجّع الشعب الإيراني على تقليده على كافة المستويات الداخلية والخارجية. بل إن اجراء أي مقارنة بسيطة في هذا المجال سيصب فوراً في مصلحة النظام الإيراني. ولا يتعارض ذلك مع حقيقة أن إيران تواجه وستواجه تحديات قاسية وصعبة، وستكون أمام المزيد منها لاحقاً. وقد يشهد هذا الكباش المزيد من المنعطفات ومحطات التصعيد...
رغم ما تقدم، الحماسة الزائدة لدى المستوى الرسمي الإسرائيلي إزاء التظاهرات في إيران، التي قد تعطي انطباعاً خاطئاً ومستعجلاً، كما لو أن طهران على وشك تحولات دراماتيكية داخلية أو إقليمية، تزامنت مع تقديرات معلقين وخبراء لم يقعوا في الفخ الذي سقطت فيه قيادتهم. بل بدا أنهم رأوا في ذلك محاولة إسرائيلية دعائية فاشلة لتضخيم ما يجري في إيران، ومنها ما ورد على لسان المعلق العسكري في القناة «13»، تعليقاً على رسالة ليبرمان إلى الشعب الإيراني، بالقول: «المحاولة الإسرائيلية هنا هي دق إسفين بين النظام والشعب... وهي محاولة لركب الموجة»، مستبعداً أن يكون هناك شيء دراماتيكي، ومؤكداً «أننا سنبقى مع المعادلة نفسها». وفي السياق نفسه، رفض الباحث المتخصص في «الشؤون الشيعية» في مركز «هرتسيليا» الدكتور أوري غولدبرغ ما سمّاه الانجرار وراء التعليقات، والتفاؤل عبر الحديث عن تغيير استثنائي. ومع أنه أكد صعوبة الوضع الاقتصادي في إيران، إلا أنه أكد أن شيئاً دراماتيكياً لم يحصل بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. وعلى الخلفية نفسها، استبعد معلق الشؤون العربية والإقليمية في صحيفة «هآرتس» تسفي برئيل، أن تهدد التظاهرات النظام الإسلامي في إيران.