سجّل أفيغدور ليبرمان على اسمه اقتراحاً إسرائيلياً جديداً يهدف، كما يرد في ديباجته، إلى التخفيف اقتصادياً على قطاع غزة (تخفيف الحصار)، عبر إنشاء رصيف بحري مخصص لفلسطينيي القطاع في قبرص، مقابل إطلاق الاسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس. اقتراح ينضم الى جملة اقتراحات أطلقت في العامين الماضيين من دون أن يبصر أي منها النور، أو يجد مسلكاً عملياً، يخفف من معاناة الفلسطينيين، وحصارهم الدائم.

بحسب ما يرد في الاقتراح، تنشئ إسرائيل، بعد أن «وافقت» قبرص، رصيفاً بحرياً من الساحل القبرصي إلى غزة لتسهيل الأوضاع الاقتصادية في القطاع. وكما يؤكد ليبرمان، فإن الاقتراح «الدراماتيكي»، حسب الوصف العبري، طرح أمام القبارصة ولقي موافقة مبدئية منهم، على أن يجد تعبيراً عملياً له خلال الأشهر القليلة المقبلة.
كي لا يقع القارئ في تجاذبات التحليل والتنبؤات والتطرف في التوقعات، لا بد من الإشارة والتشديد على الآتي:
لا جديد في اقتراح وزير الأمن الإسرائيلي. ما يرد في اقتراحه، هو من ناحية فعلية استنساخ، مع تعديلات بسيطة، لاقتراحات إسرائيلية سابقة، أضيفت إليها هذه المرة موجبات فلسطينية مقابلة تتعلق بالأسرى الاسرائيليين، لكن مع الابقاء على إمكانية وواقع الحصار كما هو، بعد تأكيد سلطة تل أبيب المطلقة في الإشراف على الرصيف البحري القبرصي ومساره الممتد من ساحل الجزيرة إلى غزة. أعطت إسرائيل لنفسها الحق، بحسب الاقتراح، في إغلاق الرصيف ومنع استخدامه، عندما ترتئي ذلك، لسبب أمني وغيره، وهي إشارة واضحة إلى أنه ليس حقاً دائماً لا رجعة فيه للفلسطينيين في استخدام الرصيف.
كان لوزير الاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، اقتراحاً مماثلاً وما زال حياً وموضوعاً على طاولة القرار في تل أبيب من دون أن يتلقّى قراراً. الفارق الجوهري بين الاقتراحين أن كاتس يقترح جزيرة خارج القطاع توكل إليها نفس مهمة الرصيف القبرصي، مع لسان يمتد إلى ساحل غزة بإشراف أمني إسرائيلي مباشر، مع سلة من الموجبات الفلسطينية المقابلة. المفارقة أن من يقف مانعاً ومعارضاً لاقتراح الجزيرة هو ليبرمان نفسه، الأمر الذي يؤكد مروحة تساؤلات حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراء اقتراحه المفاجئ.
لا تبنّي إسرائيلياً رسمياً لاقتراح ليبرمان، وهو ما أكده عدد من الوزراء الاسرائيليين، مع التشديد على أن اقتراحاً كهذا لم يطرح على طاولة النقاش في المجلس الوزاري المصغر، مع الإلفات إلى الصفة الشخصية للاقتراح، وأنه لم يصل إلى حدّ الموافقة الرسمية. في الوقت نفسه، تؤكد السلطات القبرصية أن الاقتراح عرض أمام الرئيس خلال زيارة ليبرمان الأخيرة للجزيرة، حيث وعد الأول بدراسة مقترح الثاني والرد عليه لاحقاً، ما يعني أن لا تبنّي إسرائيلياً ولا قبرصياً له، مع تشديد نيقوسيا، حسب إعلامها، على أن قبرص لم تُعطِ كلمتها بعد، مع تأكيد أنها تلقّت الاقتراح من دون ردّ منها، بمعنى أنها استمعت إلى ليبرمان، بوصف اقتراحه رأياً يستدعي دراسة، لم يدخل حيّز الدراسة الفعلية القبرصية إلى الآن.
الجانب الأهم إزاء اقتراح ليبرمان، الذي من شأنه منع تبلوره عملياً، هو فقدانه الموافقة الفلسطينية المتعذرة ربطاً بالشروط الموضوعة للرصيف القبرصي وكيفية إدارته والتسلط الإسرائيلي عليه، إضافة إلى تجاذب مرتقب حوله بين غزة ورام الله والقاهرة، من شأنه أن يمنع تطور الاقتراح من ناحية فعلية، إلى واقع عملي.
الأكثر أهمية في اقتراح ليبرمان، الذي تقابله صعوبة، إن لم تكن استحالة لدى الجانب الفلسطيني، أن أحد أهم أهداف هذا الاقتراح هو «نسف» المطلب الفلسطيني الثابت في إطلاق أسرى فلسطينيين مقابل أسرى إسرائيليين. تنازل كهذا من جانب الفلسطينيين من شأنه أن يشكّل انكساراً كبيراً جداً لا تقوى الفصائل الفلسطينية على التعايش معه، مهما كانت بدائله الاقتصادية المشروطة، المعروضة إسرائيلياً على القطاع.
يمثل اقتراح ليبرمان، وغيره من الاقتراحات التي وضعت في التداول وتلك التي لم توضع بعد، أفكاراً تهدف إلى «تقطيع الوقت» وتأجيل الانفجار الأمني في جولة قتال جديدة، من شأنها أن تكون مغايرة لما سبقها من جولات في السنوات القليلة الماضية. ويأتي هذا التوجّه الإسرائيلي في سياق المكابرة والامتناع عن التنازل عن حصار الفلسطينيين في القطاع، إلا في حال تلقّيها أثماناً فلسطينية ثبت استحالة فرضها في ظل ميزان قوى مغاير عن المراحل السابقة.
الجولة القتالية المقبلة، بسبب الحصار، هي العامل الأكثر حضوراً وخشية، الذي تحذّر منه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وتشدد عليه وعلى ضرورة الحؤول دونه، ربطاً بمروحة واسعة من الأسباب، وفي مقدمتها الخشية من اليوم الذي يلي المواجهة مع القطاع، في حال وقعت هذه المواجهة بالفعل. خشية إسرائيل وتحذيرها واضحان، وتحديداً ما يتعلق بمحذور العودة إلى المربع الأول بعد القتال العسكري من دون تحقيق تغييرات جذرية ذات معنى للتعذر، قياساً بالواقع الميداني الموجود الآن حيال غزة.
مع ذلك، اقتراح ليبرمان، وغيره من الاقتراحات التي تتزاحم في هذه المرحلة، يشير إلى وجود تلمّس إسرائيلي أن حصار الفلسطينيين كما هو عليه الآن في غزة، قابل للاشتعال وبقوة، مع ضرورة منع هذا الاشتعال لتعذر تحقق المصالح الإسرائيلية عبر القتال العسكري. ليبرمان، وغيره، مع التأكيد على المصالح الشخصية أيضاً، يهدف من خلال اقتراحه إلى الحؤول دون الأسوأ، أي المواجهة العسكرية المقبلة مع غزة، بلا أثمان حقيقية تدفعها إسرائيل. واضح أن تل أبيب بمؤسستيها السياسية والعسكرية، تخشى اليوم الذي يلي المواجهة المقبلة، وهو يضغط عليها ويدفعها إلى الامتناع عن التمادي في اعتداءاتها والابتعاد قدر الامكان عن المواجهة المقبلة.
يضاف إلى كل ذلك، وهو ما لا تخفيه إسرائيل، وجوب أن يتمحور التركيز في هذه المرحلة على الجبهة الشمالية مع سوريا ولبنان، حيث الخطورة والتهديد، كما تقدّر المؤسسة الأمنية، خاصة مع تطورات تتسارع نحو الأسوأ من ناحيتها، وهي تشي بخسارة مرحلة ما بعد الحرب السورية، تماماً كما كانت خسارتها، وخسارة حلفائها، للحرب نفسها.