في جولةٍ آسيوية بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، في اليومين الماضيين، وجد وزير الدفاع الأميركي، جايمس ماتيس، نفسه أمام حلفاء بلاده في موقف تبريرٍ للقاء الرئيس دونالد ترامب مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، وفي موقف تعهّد بأن ذلك اللقاء لا يعني تخلّي واشنطن عن دعم أصدقائها في منطقة المحيط الهادئ الآسيوية.

خلال لقائه نظيره الياباني، اليوم، تعهّد ماتيس بمحافظة واشنطن على موقف دفاعي «قوي» في المنطقة إزاء كوريا الشمالية، وجدد تشديده على أهمية التحالف بين بلاده واليابان التي شكلت المحطة الأخيرة في جولته الآسيوية، وترتبط مع واشنطن بمعاهدة أمنية.
وكان ماتيس قد أكد، أمس أيضاً، خلال زيارة قصيرة لسيول التزام بلاده «الصلب» بأمن كوريا الجنوبية، بما في ذلك الحفاظ على حجم القوات الأميركية الحالي، حتى مع السعي إلى التوصل لاتفاق مع كوريا الشمالية بشأن نزع سلاحها النووي.
يأتي موقف ماتيس هذا مع وجود قلق في شمال شرق آسيا بشأن الطريقة التي ستواصل بها واشنطن الدفاع عن حلفائها في المنطقة، بعد «المديح» الذي منحه ترامب للزعيم الكوري الشمالي بوصفه أنه «شخص موهوب»، سعياً لإقناعه بالتخلي عن السلاح النووي.
وتشعر اليابان، خصوصاً، بأنها أمام تهديد مباشر من كوريا الشمالية التي كانت قبل محادثاتها مع الشطر الجنوبي والولايات المتحدة قد هددت بإغراق الأرخبيل وأطلقت صاروخين فوقه العام الماضي. وسبق لكل من طوكيو وسيول أن عبرتا عن قلقهما من أن تركز المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ على تهديد الصواريخ العابرة للقارات التي تطلقها الأخيرة والقادرة على بلوغ الأراضي الأميركية، بينما اليابان وكوريا الجنوبية في مرمى الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى.

«لك صديقٌ في البنتاغون»
أمام القلق بشأن الالتزام الأميركي إزاء الحلفاء الإقليميين، تعهّد ماتيس بعدم تهاون واشنطن في موقفها، رغم إعلان ترامب وقف المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية. وشدّد على أن القرار بوقف هذه التدريبات اتخذ من أجل تسهيل المفاوضات حول نزع السلاح النووي الكوري الشمالي و«تعزيز فرص التوصل إلى حلّ سلمي لشبه الجزيرة الكورية»، لكن من دون أن يعني ذلك تراجعاً في قوة الموقف الأميركي في آسيا.
وتابع ماتيس، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الياباني، إيتسونوري أونوديرا، في طوكيو، أن واشنطن تبقي «على موقف دفاعي مشترك قويّ، من أجل أن نضمن أن دبلوماسيينا يواصلون التفاوض من موقع قوة لا جدال فيه»، في إشارة إلى المفاوضات الجارية مع كوريا الشمالية. وأضاف أنه رغم انخراط بلاده حالياً في محادثات «غير مسبوقة» مع كوريا الشمالية، لكن «في هذه اللحظة الديناميكية يبقى التحالف القديم بين اليابان والولايات المتحدة صلباً»، معتبراً أن «هذا التحالف هو حجز الزاوية لاستقرار منطقة المحيط الهادئ الآسيوية والتزامنا يظل راسخاً». كذلك، أشار إلى أنه ناقش مع أونوديرا «إمكانية زيادة قدرات التحالف وتعزيز تعاوننا ورفع مستوى الأمن في المنطقة».
من جهته، شدّد أونوديرا على أهمية المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية «على صعيد الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك في المستقبل»، إلا أنه أقرّ في الوقت نفسه بأن تعليق التدريبات «يمكن أن يدعم الجهود الدبلوماسية» المرتبطة بنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية.
من جهة ثانية، شددت طوكيو مراراً أمام المسؤولين الأميركيين على ضرورة التطرق مع بيونغ يانغ إلى قضية اليابانيين الذين خطفتهم كوريا الشمالية في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته ولا تزال أخبارهم منقطعة. وعلّق ماتيس على الأمر قائلاً إنها «مشكلة إنسانية موجودة دائماً في محادثاتنا»، من دون أن يعطي مزيداً من الإيضاحات في شأن هذه القضية التي تعتبرها طوكيو أولوية قصوى.
كذلك، دعا أونوديرا إلى أن تعمل بلاده والولايات المتحدة على تفكيك كل ترسانة بيونغ يانغ لأسلحة الدمار الشامل و«كل الصواريخ البالستية على اختلاف مداها». ولم يعلق ماتيس على ذلك بشكل مباشر، واكتفى بالقول إن على الجانبين العمل لضمان أن يكون للدبلوماسيين الذين يتولون المفاوضات «دعم عسكري قوي». وللتشديد على هذه النقطة، قدّم إلى أونوديرا ربطة عنق زرقاء اللون عليها شعار البنتاغون، قائلاً: «تذكّر أن لك صديقاً في البنتاغون».

في كوريا الجنوبية... مقر عسكري جديد
ضمن جولته، وخلال زيارة قصيرة للعاصمة الكورية الجنوبية، سيول، دافع ماتيس عن قرار ترامب وقف التدريبات الحربية مع كوريا الجنوبية، قائلاً إنه يزيد الفرصة أمام الدبلوماسيين للتفاوض. وأضاف أن القوات الأميركية والكورية الجنوبية ستظل «متحدة ويقظة ومستعدة».
ويقول منتقدون لقرار ترامب بشأن التدريبات إنه تنازل كبير لكوريا الشمالية، ويهدد بتراجع استعداد القوات الأميركية والكورية الجنوبية إذا امتد تطبيقه مع المفاوضات التي يُتوقع أن تستمر طويلاً.
لكن، وفق ماتيس ونظيره الكوري الجنوبي، سونغ يونغ مو، فإن القرار جزء من الجهود التي تهدف إلى تهدئة التوترات وبناء الثقة. وفي بيان مشترك، قالا إنهما اتفقا على «الاستمرار في بحث إجراءات لبناء الثقة والسلام ما دامت كوريا الشمالية تواصل الحوار بنية طيبة». وقبل لقاء سونغ، قال ماتيس إن الولايات المتحدة تواصل التزامها «الصلب» لكوريا الجنوبية، وستواصل «استخدام أقصى قدر من الإمكانات الدبلوماسية والعسكرية للحفاظ على هذا الالتزام». وأضاف أن ذلك يشمل «الحفاظ على حجم القوات الأميركية الحالي في شبه الجزيرة الكورية»، علماً بأنه يوجد نحو 28500 جندي أميركي في كوريا الجنوبية.

أنهى وزير الدفاع الأميركي جولته الآسيوية في اليابان (أ ف ب )

مع ذلك، لم يوضح ماتيس بعد كيف ستحافظ الولايات المتحدة على استعداد قواتها وقوات كوريا الجنوبية، التي تتباهى منذ فترة طويلة بقدرتها على «القتال الليلة» إذا لزم الأمر، لكن يبدو أن واشنطن تحاول الحفاظ على ثقة حليفتها من خلال تدشين مقر جديد لقواتها اليوم، بعد أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في سحب الجنود الأميركيين.

معسكر جديد... رغم قرارات ترامب
أشارت واشنطن إلى أن المقر الذي افتتحته في كوريا الجنوبية، اليوم، هو أكبر قاعدة عسكرية لواشنطن في الخارج، علماً بأن واشنطن وسيول ترتبطان بمعاهدة تنص على اتخاذ «القوات الأميركية في كوريا» من حي يونغسان في وسط سيول مقراً لها.
واتفق البلدان الحليفان منذ عام 1990 على نقل المقر إلى معسكر هامفريز، وهي قاعدة في بيونغ تايك على بعد نحو 60 كلم جنوبي العاصمة. لكن المشروع تأخر لسنوات جراء وجود اعتراضات في أوساط السكان ومشاكل مالية وأعمال بناء واسعة النطاق. ولم يتم نقل أول وحدة إلى معسكر هامفريز الذي يحمل اسم طيار قتل في حادث تحطم مروحية حتى عام 2013.
اليوم، تم نقل مقر القوات الأميركية في كوريا وقيادة الأمم المتحدة التي تقودها واشنطن وانضوى فيها الحلفاء خلال الحرب الكورية، في حين سيتم نقل وحدات أخرى لاحقاً.
يأتي هذا الإقرار، رغم إعلان ترامب تعليق التدريبات العسكرية المشتركة مع سيول التي أكدت أنه لم يتم إعلامها بالقرار مسبقاً، ومطالبته المستمرة لكوريا الجنوبية بدفع المزيد مقابل الوجود العسكري الأميركي فيها.
القاعدة الجديدة في كوريا الجنوبية هي أكبر قاعدة للولايات المتحدة في الخارج(أ ف ب )

لكن قائد القوات الأميركية في كوريا فينسينت بروكس قال خلال حفل الافتتاح إيومة إن سيول ساهمت بأكثر من 90 في المئة من كلفة معسكر هامفري البالغة 10.8 مليارات دولار، مشيراً إلى أنها «أكبر قاعدة أميركية في العالم» خارج أراضي الولايات المتحدة.
يضم معسكر هامفريز 513 مبنى ويمتد على مساحة تقدر بأكثر من 14.7 مليون متر مربع. سيستضيف 43 ألف شخص، بينهم جنود وأفراد عائلاتهم بحلول نهاية عام 2022. وأشار بروكس إلى أن مبنى المقر مثّل «استثماراً مهماً في الوجود بعيد الأمد للقوات الأميركية في كوريا»، مؤكداً أن «القوات الأميركية في كوريا ستبقى شاهداً حياً على الالتزام الأميركي تجاه التحالف».
بدوره، أكد وزير الدفاع الكوري الجنوبي أن القوات الأميركية في كوريا ستقوم بدور جديد مع تحول الظروف من حالة «حرب باردة إلى تعايش سلمي». وأضاف أنها «ستساهم ليس فقط بإحلال السلام في شبه الجزيرة، بل كذلك في السلام العالمي كعامل استقرار في شمال شرق آسيا»، فيما قال ماتيس إن «القرار الأخير بوقف التدريبات يزيد الفرصة أمام دبلوماسيينا للتفاوض، كما يزيد احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية للوضع في شبه الجزيرة الكورية».
كذلك، نقل البيان المشترك عن ماتيس وسونغ قولهما إن «تقدماً جوهرياً» تم إحرازه في الاستعدادات لنقل قيادة العمليات العسكرية في زمن الحرب من الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية. وأفاد البيان بأن الوزيرين أكدا مجدداً أن عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على كوريا الشمالية يجب أن تبقى إلى أن تتخذ بيونغ يانغ خطوات «ملموسة لا رجوع عنها» باتجاه نزع السلاح النووي.