أخيراً، ثمة خبر جيّد، وميضٌ في نفق اللاعدالة المعولمة: ففي 21 حزيران الجاري، أدانت محكمة الاستئناف في باريس الفعل المعتوه الذي قام به قنّاص إسرائيلي حين استهدف قبل نحو 18 عاماً الصحافي الفرنسي جاك ماري بورجيه. (...) هذا الحكم الذي تحصّل عليه وليام بوردون، وهو المدافع عن «مراسل الحرب» المصاب، يمثّل أثراً لحقوق الإنسان الحقيقية، لا تلك الحقوق التي يرمي بها ترامب وأصدقاؤه في قمامات التاريخ. لكن يبقى الآن إقناع الدولة الفرنسية بتطبيق الحكم الصادر عن محكمة البدايات الكبرى في باريس.

في رام الله في فلسطين المحتلة، في 21 تشرين الأول 2000، بينما كان جاك ماري بورجيه مراسلاً لمجلة «باري ماتش»، تعرّض لإصابة خطرة في رئته اليسرى التي اخترقتها طلقة مباشرة مصدرها بندقية «أم 16» أميركية، كان يحملها جندي إسرائيلي. طلقة لم يمكن بالإمكان توقعها (...) علماً أنّ الساحة العامة التي كان يوجد فيها جاك ماري بورجيه كانت هادئة ومقاهيها مشرعة الأبواب للزبائن، برغم فوران تلك اللحظة بسبب «الانتفاضة الثانية».
دقائق قليلة عقب إطلاق النار، سارع مسعفو الهلال الأحمر الفلسطيني لإسعاف الصحافي الذي كان قد دخل في غيبوبة. في مستشفى رام الله، استنتج الأطباء أنّ الحالة خطرة (...) وكان من الأفضل أن تُجرى العملية الجراحية اللازمة في مستشفى إسرائيلي مجهّز تجهيزاً أحسن. وعند سؤال المسؤولين العسكريين ـــ السياسيين الإسرائيليين، رفضوا، وأُجريت العملية في رام الله على أيدي جراحين فلسطينيين هم، للأسف، ذوو قدرات كبيرة في ما يخصّ العمليات الجراحية أثناء الحرب. وأمام المستشفى، كان شبان فلسطينيون يقفون في الصف للتبرع بالدم اللازم إلى الفرنسيّ.
بعد 36 ساعة، وبينما كانت العملية قد أُجريَت واستقر الحال، كان يجب تسليم الصحافي لفريق طائرة طبية أُرسلت من فرنسا إلى تل أبيب. إزاء رفض نفس المسؤولين السماح للإسعاف الفلسطيني بالوصول إلى مطار بن غوريون، تدخل رئيس الجمهورية جاك شيراك، وطلب إلى رئيس الوزراء إيهود باراك السماح بنقل المصاب.
في فرنسا وفي ظل رحلة إعادة تأهيل صحي طويلة (...)، بدأ صراع للبحث عن المتهمين لإلحاق العقوبة بهم، وقد قُدّمت دعوى بـ«محاولة القتل العمد» أمام محكمة البدايات الكبرى في باريس (...)، لكن نظام تل أبيب لا شيء ممكن معه، إذ بعد ثلاث سنوات من الصمت، رفض هذا الأخير التعاون: الملف العسكري الذي يخص تلك الطلقة «سري».
في عام 2011، بسبب عدم التمكن من التقدّم، رفضت المحكمة الدعوى، فيما توجّه محامي المراسل وليام بوردون، نحو «صندوق الضمان» الذي من مهماته دعم الضحايا مالياً. لا حظّ للصحافي، إذ إنّ هذا الصندوق، برغم أنّه تحت إشراف الدولة، فإنّه رفض التكفل بملف المصاب في رام الله. تأكيداً لوجهة نظره في درجة التقاضي الأولى، اعتبرت العدالة أنّ «إعطاء الحق للمراسل سيكون تدخلاً في سياسة إسرائيل، دولة ذات سيادة». بالتعبير عن هذا الحكم بهذه الطريقة الفظة، فإنّ ما يُقال هو أنّ إطلاق النار على صحافي يمكن أن يكون مهمة لا يجب علينا أن نحتجّ ضدها. في أيلول 2015، أمام محكمة استئناف باريس، سيستعيد القضاة حسَّهم السليم، ويجرى تأييد أنّ جاك ماري بورجيه ضحية مدنية، ما يبرر مساعدته من قبل صندوق الضمان. للأسف، فقد صيغ الحكم بأسلوب غامض يحفّز قراراً تمييزياً.
(...) في 21 حزيران الجاري، تؤكد محكمة استئناف باريس، بتكوين مختلف هذه المرة، أنّ الصحافي ضحية، وبعبارات واضحة، قوية ونموذجية. يمكننا القول: شجاع أيضاً، لأنّ انتقاد فعل قام به عميل إسرائيلي ـــ حتى على مستوى التقنية القانونية البسيط ـــ يتطلب في فرنسا إرادة واستقلالية.
*ترجمة مختصرة لمقالة ريشار لابيفيير «العدالة، أخيراً للصحافي جاك ماري بورجيه».