اختارت طهران جنرالها المثير للجدل، وواجهة نشاطها العسكري في الإقليم، قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، لتمرير جملة رسائل. الأولى، أن التيارات السياسية في إيران موحدة ومتضامنة في ما بينها، في المرحلة التي يريد فيها الرئيس الأميركي أن يلقي بكرة النار إلى الداخل الإيراني بسلاح الحصار والحظر. الثانية، أن التيارات السياسية التي يراهَن على «اعتدالها» من إصلاحيين ووسطيين تَغيّر خطابها المرن في السياسة الخارجية بما يتناسب وتحديات المرحلة، وبإمكانها أن تستخدم ورقة «الصقور» في النظام الإيراني في مواجهة الضغوط الأميركية. أما الرسالة الثالثة، فهي أن تهديد الرئيس، حسن روحاني، بإغلاق مضيق هرمز أمام التجارة النفطية لا يأتي من فراغ، وأن ترجمته عملياً تتكفل بها المؤسسة العسكرية إن اقتضى الأمر. والرسالة الأخيرة تتمثل في صدور التعليق نفسه من سليماني، الذي اختبر الأميركيون فعله على الأرض في السنوات الأخيرة، لتأكيد جدية التهديد.

من هنا، خرج سليماني برسالة مكتوبة موجهة إلى رئيس الجمهورية، أتت بمثابة توقيع على تهديد روحاني غير المباشر بإغلاق مضيق هرمز في الخليج بوجه الإمدادات النفطية، بقوله من سويسرا إن «عدم السماح لإيران بتصدير نفطها يعني أن نفط كل المنطقة لن يُصدَّر». بحسب روحاني، إن تهديد واشنطن بمنع إيران من تصدير نفطها إلى كل دول العالم بلا استثناءات هذه المرة «يُظهر أنهم (الأميركيين) لم يتدبروا عواقب ذلك». هذا الموقف المرتفع السقف، وغير المعتاد في خطابات روحاني المتّسمة بالدبلوماسية عادة، حظي بإشادة الحرس الثوري الإيراني، على لسان الجنرال سليماني الذي ختم رسالته المقتضبة بالقول: «أقبل أيديكم على تصريحكم الحكيم والصحيح الذي أتى في مكانه وزمانه المناسب»، في تلميح إلى استعداد الحرس الثوري لتنفيذ التهديد، ولو من دون تصريح. وبعد موقف روحاني ورسالة سليماني، توالت ردود الفعل الداخلية المؤيدة للتهديد الإيراني. ومن بين تلك الردود تصريح الجنرال في الحرس الثوري، إسماعيل كوثري، الذي حذر من أن 20 في المئة من نفط العالم يمرّ عبر مضيق هرمز، وأن «أي تحرّك عدائي من أميركا ستكون له تبعات عليها»، مضيفاً: «إذا مُنعنا من تصدير نفطنا، فلن نسمح بخروج النفط من الخليج».

يجتمع وزراء خارجية الاتفاق في فيينا عشية سريان العقوبات الأميركية


وأمس، جدد الرئيس الإيراني رفض بلاده التهديدات الأميركية بشأن العقوبات والحظر النفطي، مؤكداً أن طهران «ستجتاز هذه الجولة من العقوبات الأميركية مثلما اجتازتها من قبل». وقال أثناء وجوده في فيينا: «يقول الأميركيون إنهم يريدون خفض صادرات النفط الإيراني إلى الصفر. هم تحدثوا من دون إمعان النظر في هذا الأمر. هذا يظهر أنهم لم يتدبروا عواقب ذلك». ووصف الإجراءات الأميركية ضد إيران بأنها «جريمة وعدوان»، داعياً الأوروبيين إلى التصدي لسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. ورأى أن «هذه الحكومة الأميركية لن تظل في موقعها للأبد... لكن التاريخ سيحكم على الدول الأخرى استناداً إلى ما تفعله اليوم».
وبعد زيارته سويسرا، حطّ روحاني في العاصمة النمساوية فيينا، حيث حظي الاتفاق النووي والتفاوض مع الأوروبيين بشأن المحافظة عليه بحصة واسعة من المشاورات. ومن هناك، سمع روحاني تأكيداً من المستشار النمساوي، سبستين كورتس، بشأن التزام النمسا والاتحاد الأوروبي الصفقة النووية، ودعم المفاوضات التي ستستضيفها فيينا في الأيام المقبلة لوزراء خارجية الاتفاق. وحضر الملف النووي، كذلك، في لقاء روحاني بمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، حيث حذّر الرئيس الإيراني من أن طهران «ستحدد مستوى تعاونها مع الوكالة»، محملاً مسؤولية تغيير إيران لسياستها في التعاون مع الوكالة لـ«من أوجدوا هذا الوضع الجديد»، في إشارة إلى انسحاب ترامب من الاتفاق. وكرر الرئيس الإيراني التهديد بأن حكومته ستتخذ «قرارات جديدة» إذا لم تعد «الخطة المشتركة الشاملة» تلبي مصالح البلاد. ومن المنتظر أن يجتمع وزراء خارجية الدول الموقعة على الصفقة النووية، الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، غداً الجمعة، في فيينا، في اجتماع طلبته طهران، عشية دخول جزء من العقوبات الأميركية حيِّز التنفيذ في آب المقبل، وذلك لبحث سبل المحافظة على وثيقة فيينا بعد انسحاب الولايات المتحدة منها، وفرضها إجراءات عقابية على الاقتصاد الإيراني.