سقوط حكومة تيريزا ماي، تحوّل في الساعات الأخيرة من كونه مجرد تكهنات ومطلب معارض إلى واقع. إلّا أن ماي أبدت عزمها على البقاء في السلطة بعد الضربة التي تلقتها باستقالة وزيرين أساسيين، هما وزير شؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي (البريكست) ديفيد ديفيس، ووزير الخارجية بوريس جونسون، بسبب خلاف معها حول نهجها المتبع في «البريكست» ورغبتها في قطيعة «ناعمة» مع الاتحاد، واعتبارهما أن بريطانيا تسير نحو «نصف بريكست» وستتحول إلى «مستعمرة» للاتحاد الأوروبي.

فور استقالة ديفيس وجونسون، عيّنت ماي خلفاً لهما على وجه السرعة في محاولة للبقاء على خطها على رغم الأوضاع العاصفة، وحلّ وزير الصحة جيريمي هانت، الذي كان من الداعين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي مكان جونسون، فيما حلّ دومينيك راب وهو من المشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي محل ديفيس.
وفي ظل هذه الأوضاع المعقدة بدأت ماي تواجه خطر تصويت على سحب الثقة منها، إلّا أن موقع «بوليتيكو» البريطاني رأى أنه «على رغم الصخب، فإن المعادلة الحسابية في البرلمان لم تتبدل، وعدد أنصار بريكست (متشدد) غير كاف لطرد ماي من السلطة وفرض صيغة بريكست أخرى على مجلس العموم». تحليل «بوليتيكو» لا يعني أن ماي في مأمن، إذ يسمح القانون البريطاني بتحدي رئيس الوزراء على منصبه، إذا وافق 15 في المئة من نواب الحزب الحاكم في مجلس العموم على ذلك. وإذا تمت الدعوة لتصويت بعدم الثقة، فسيتمكن جميع أعضاء البرلمان من حزب المحافظين من التصويت لمصلحة أو ضد ماي، وإذا فازت ماي في التصويت فإنها ستبقى في المنصب، وإذا خسرت فهي ملزمة بالاستقالة، وسيتم منعها من الترشح في الانتخابات التالية. كما أنه لا يزال من المحتمل استقالة أعضاء جدد في الحكومة، وفق ما أكده مناصرون لـ«بريكست» متشدد لصحيفة «ذي غارديان» البريطانية طالبين عدم كشف أسمائهم. يذكر أن ماي تولت منصب رئيس الوزراء بعد معركة انتخابية ضارية في عام 2016، والتي جاءت بعد استفتاء الـ«بريكست».

ثمة من يرى أنّ زعزعة استقرار الحكومة يعني خروجاً أوروبياً بلا اتفاق


من جهته، قال الباحث في «جامعة سوراي»، سايمون أشروود، إنه «لا يتوقع استقالات أخرى»، موضحاً أنه على رغم أن النواب المحافظين «قد يرغبون في الإطاحة بماي، فإنّ خلَفَها سيواجه المشاكل نفسها وعليه أن يتخذ خيارات صعبة في شأن بريكست». وتوقع أن يدعها المعارضون على رأس البلاد حتى الخروج من الاتحاد الأوروبي في آذار المقبل قبل أن يخلفها شخص آخر في نيسان بعد «البريكست».
في غضون ذلك، تناولت الصحافة البريطانية أمس، أحداث يوم الاثنين الفوضوي، إذ كتبت صحيفة «دايلي مايل» المؤيدة لـ«بريكست» (متشدد) أنها «تفهم خيبة أنصار بريكست وتشاطرهم إياها»، لكنها «تخشى من أخطار زعزعة استقرار الحكومة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بريطانيا في وقت يتحتم عليها الخروج من الاتحاد الأوروبي في مهلة أقل من تسعة أشهر».
ويأمل المفاوضون البريطانيون والأوروبيون الذين يستأنفون محادثاتهم الأسبوع المقبل، في التوصل إلى اتفاق حول شروط الانسحاب البريطاني ووضع خطة للعلاقات التجارية المقبلة خلال قمة يعقدها الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول المقبل. وكان المستشار السابق لرئيسة الوزراء نيك تيموثي، قد حذر في حديثٍ إلى صحيفة «ذي صن» من أنه «من خلال زعزعة استقرار الحكومة، فإن المتمردين يزعزعون استقرار بريكست نفسه»، محذراً أيضاً من «خروج من دون اتفاق». وحدها صحيفة «تلغراف» المحافظة، حيث كان جونسون يعمل سابقاً، دافعت عن قرار الوزير، ودعت تيريزا ماي إلى مراجعة استراتيجيتها.
في الأثناء، كتب الصحافي مارتين كيتل، أمس، مقالة في «ذي غارديان»، يقول فيها: «أنا، ربما، أكثر استرخاء مما يجب أن أكون في ما يخص رحيل بوريس جونسون وديفيد ديفيس، إذ تسببت استقالتهما بأزمة قصيرة المدى، لكن غالبية واسعة من النواب المحافظين لا تساندهما، وهما أشبه بما يطلق عليه الصينيون وصف: نمور من ورق». وأضاف بعد استقالة الوزيرين: «أشعر أنني أكثر تفاؤلاً مما كنت عليه لجهة الوصول إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي حول البريكست. فرئيسة الوزراء وغالبية كبيرة من حكومتها واعون بالضرر الجدي وبعيد المدى الذي كان سيحصل للصناعة البريطانية... في حال غادرنا الاتحاد الأوروبي في آذار المقبل من دون وجود فترة انتقالية».