يَمثُل زعيم «الحركة الإسلامية» في نيجيريا، إبراهيم زكزاكي، المحتجز في أحد مرافق «جهاز أمن الدفاع»، أمام المحكمة، اليوم الخميس، في ظلّ تدهورٍ في وضعه الصحي، بعد إصابته بجلطة دماغية أخيراً، بالإضافة إلى تواصل معاناته بسبب الإصابات البالغة التي تعرض لها على مدى السنوات الماضية. مصادر مطلعة على مسار القضية توقعت، في حديث إلى «الأخبار»، أن «تذهب الحكومة النيجيرية إلى التصعيد، وأن يتم إصدار الحكم بالسجن على الشيخ زكزاكي»، مستبعدةً أن يصار إلى «إطلاق سراحه كما تطالب منظمات إسلامية وحقوقية كثيرة حول العالم». وأشارت المصادر إلى «إمكانية تأجيل الحكم لعدة جلسات تأخذ طابعاً صورياً»، لافتة إلى «تدخلات وضغوطات هائلة تمارسها الحكومة النيجيرية على قرار المحكمة، مدفوعةً من قبل السعودية».

أخذت قضية زعيم «الحركة الإسلامية»النيجيرية بعدَها السياسي والحقوقي ابتداءً من أحداث يوم القدس العالمي في عام 2014، حين تعرضت مسيرة سلمية احتفاءً بتلك المناسبة لاعتداء من قبل الشرطة النيجيرية، بعد إقدام الأخيرة على فتح الرصاص الحي وبشكل عشوائي باتجاه المسيرة، ما أدى إلى مقتل 36 شخصاً، بينهم ثلاثة من أبناء زكزاكي. السلطات النيجيرية واصلت قمعها الممنهج لحركة زكزاكي ومن يواليها. وفي 12 كانون الأول/ ديسمبر 2015، هاجم الجيش النيجيري مدينة زاريا في ولاية كادونا، موطن رأس زكزاكي، وحاصر الحسينية التي كانت تستعد للاحتفاء بالمولد النبوي، واقتحم بعد ذلك منزل زعيم «الحركة الإسلامية»، معتقلاً إياه مع زوجته بعد إصابتهما بجروح بالغة. التهمة كانت محاولة اغتيال رئيس أركان الجيش النيجيري، توكور بوروتاي، عندما كان موكبه ماراً في المنطقة بـ«الصدفة». واللافت أن اعتقال زكزاكي تم في اليوم ذاته، أي إن الجيش لم ينتظر التحقيقات أو كشف ملابسات محاولة الاغتيال. وما يؤكد النيّات الحقيقية للسلطات النيجيرية، بحسب أنصار زكزاكي، قيام قواتها يومذاك بمجزرة مروعة بحق المحتشدين أمام الحسينية والمنزل، حين فتحت نيرانها عليهم، ما أدى إلى مقتل أكثر من 300 مدني من الرجال والنساء والأطفال، من بينهم العديد من قياديي الحركة، في ما عُرف بـ«مجزرة السبت الأسود».

وجّه زكزاكي انتقادات شديدة للحكومة بسبب علاقاتها مع إسرائيل


وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر 2016، أصدرت المحكمة العليا في العاصمة أبوجا حكماً بالإفراج الفوري عن زكزاكي، وتغريم الأجهزة الأمنية 150 ألف دولار تعويضاً لأسرته، بعدما تقدم الأخير بشكوى إلى المحكمة لاعتقاله من دون إبلاغه تهمته. لم تستجب السلطات النيجيرية لحكم القضاء بإطلاق سراح الشيخ، وواصلت اعتقاله إلى جانب العديد من ناشطي «الحركة الإسلامية»، بعد رفض الجيش النيجيري والحكومة المركزية القرار، الذي تم تعطيله عبر اتفاقية بين النائب العام وسلطات ولاية كادونا، التي حظرت بدورها في عام 2016 الانتماء إلى «الحركة الإسلامية» تحت طائلة السجن لمدة 7 سنوات ودفع غرامات مالية.
تفاصيل المجازر التي ارتكبتها السلطات النيجيرية بحق زكزاكي وأنصاره في يوم القدس، وما تبعها وما سبقها، تكشّفت تباعاً. ففي نيسان/ أبريل الماضي، اتهم زكزاكي، في اتصال هاتفي مع نجله، السعودية بأنها هي التي موّلت تنفيذ الجيش النيجيري مجزرة زاريا، وأنها «مأمورة في ذلك من الولايات المتحدة وبريطانيا». بدورها، أكدت مصادر مطلعة على تفاصيل القضية، لـ«الأخبار»، أن زكزاكي كان مرصوداً ومتابَعاً وملاحَقاً في تحركاته ومواقفه من قبل المخابرات السعودية، قبل واقعتَي يوم القدس والسبت الأسود بسنوات. وكشفت المصادر أيضاً أن «الحركة الإسلامية» تمتلك دلائل «تثبت تورط السعودية في المجازر التي حصلت»، وأنها «ستظهرها في الوقت المناسب».
يرفض زكزاكي شروط الحكومة لإطلاق سراحه، وأسلوب المفاوضات معه، مُلمِّحاً إلى تعرضه لضغوطات من قبل السلطات النيجيرية للتراجع عن مواقفه، ولا سيما أنه كان قد وجه انتقادات شديدة للحكومة النيجيرية بسبب علاقاتها مع إسرائيل، وتبادلها المعلومات مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. كما انتقد زكزاكي مراراً الفساد المستشري في بلد يُعتبر من الأغنى نفطياً في العالم، بالإضافة إلى تنديده المتكرر بعلاقات جماعة «بوكو حرام» الإرهابية مع بعض قيادات الجيش النيجيري. والجدير ذكره، في هذا السياق، أن «بوكو حرام» شنّت العديد من الهجمات المسلحة على أنصار الحركة العزّل وعلى منزل زكزاكي، من بينها هجوم على موكب تابع للحركة في ولاية كانو في كانون الأول/ ديسمبر 2015 أدى إلى مقتل 22 شخصاً، وذلك قبل أيام من حادثة زاريا، بالإضافة إلى تبنّي «بوكو حرام» تفجيراً سنة 2014 قُتل فيه 32 من أنصار الحركة.
لم تمتلك الحكومة النيجيرية حتى اللحظة أي دليل تقدمه لإدانة زكزاكي، باستثناء اتهامات بأن «المتظاهرين تجمهروا حول موكب رئيس الأركان خلال مروره وقاموا بإطلاق النار». اتهامات لا يقيم لها أتباع الرجل وزناً، لافتقارها إلى أي مسوّغ قانوني يثبت تورطه وأنصاره في محاولة الاغتيال، وهو ما دعمه قرار المحكمة العليا سابقاً بإطلاق سراحه. وقد نفى زكزاكي بنفسه الاتهامات المُوجَّهة إليه، مؤكداً أنه تعرض لهجوم مفاجئ من القوات النيجيرية، في الوقت الذي تشدد فيه الحركة دائماً على عدم امتلاكها السلاح، وأنها غير عسكرية.
تعرَّض زكزاكي لمحاولات اغتيال عديدة، منها في أعوام 1999 و2007 و2015. فقَد إحدى عينيه، وأصيبت زوجته بجروح بالغة، وقُتل ستة من أبنائه خلال السنوات السابقة. كما قُتلت أخته وابن أخيه، وجُرفت أضرحة والدته وأولاده، وسُوّي منزله بالأرض. مسيرة يختصرها مقرّبون من الرجل بقولهم إنها «تضحيات يقدمها الشيخ النيجيري على طريق القدس».