أثمرت ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على حلفائه في «حلف شمال الأطلسي»، خلال قمة بروكسل، بتجديد أعضاء الحلف الأوروبيين التزام زيادة مساهماتهم في الإنفاق العسكري. في هذه الأثناء، يستكمل ترامب لقاءاته الأوروبية، حيث وصل، اليوم، إلى لندن في زيارة رسمية على وقع تظاهرات معادية له يجري تنظيمها، وفي ظلّ انتقاداته لحلفائه في «حلف شمال الأطلسي»، بعد اجتماع طارئ للحلف في بروكسل خلال اليومين الماضيين، لم يغب عنه شبح روسيا. خيّمت تصريحات ترامب اللاذعة على اللقاءات الأطلسية، فيما اختار الرئيس الأميركي أن يبدأ أوّل زيارة رسمية له ستستمر أربعة أيام لبريطانيا، التي وصفها بأنها «نقطة ساخنة»، مشكّكاً في الوقت ذاته بمقترحات رئيسة الحكومة تيريزا ماي بشأن العلاقة التجارية مع الاتحاد الأوروبي بعد «بريكست». وقد تساءل ترامب عمّا إذا كانت تلك المقترحات تتوافق مع ما صوّت عليه البريطانيون في استفتاء حزيران/يونيو 2016 للخروج من الاتحاد.


«حلف أطلسي قوي جداً جداً»
يأتي ذلك بعدما أعلن ترامب، اليوم، قبل مغادرته إلى لندن، إحراز تقدّم «هائل» في شأن الإنفاق العسكري لأعضاء «الأطلسي»، مؤكداً أن يومين من المحادثات الشاقة جعلا الحلف «أقوى بكثير». الرئيس الأميركي أشار، بعد اجتماع طارئ مع قادة الحلف على خلفية مطالبته بزيادة مساهمات الدول الأخرى العسكرية في الحلف فوراً، إلى إحراز «تقدم هائل اليوم»، مضيفاً أن «الجميع وافق على زيادة مهمة لالتزاماتهم سيرفعونها إلى مستويات لم يفكروا فيها من قبل».
أردف ترامب بأنه أبلغ الحلفاء بأنه «مستاء جداً ممّا يحصل، وقاموا بزيادة كبيرة لالتزاماتهم»، وقال: «الآن نحن سعداء جدّاً، ولدينا حلف أطلسي قوي جدّاً جدّاً، أقوى مما كان عليه قبل يومين». ترامب أكد، أيضاً، أن التزام بلاده في «الحلف الأطلسي لا يزال قوياً»، وذلك «يعود بشكل رئيسي إلى الأموال الإضافية التي تعهدت بها» الدول الأخرى.
وكان ترامب قد طالب حلفاء الولايات المتحدة، أمس، بزيادة نفقاتهم الدفاعية مستقبلاً إلى 4 في المئة من إجمالي ناتجها الداخلي. هذا المطلب غير جديد، إذ سبق للرئيس الأميركي أن عبّر عنه العام الماضي، غير أنه هذه المرة ترافق مع انتقادات بالغة الحدّة للحلفاء، الذين اتهمهم بعدم دفع مبالغ كافية، مركّزاً حملته بصورة خاصة على ألمانيا.

ضغوط في السرّ
تأتي تصريحات ترامب وسط تقارير قالت إنه حذّر حلفاءه، خلال الاجتماع، من أن الولايات المتحدة يمكن أن تنسحب من الحلف إذا امتنع أعضاء آخرون عن زيادة إسهاماتهم. وفق مصدرين مطلعين على المناقشات في «الأطلسي» لوكالة «رويترز»، أبلغ الرئيس الأميركي شركاءه في الحلف خلال اجتماع مغلق اليوم، أن على الحكومات أن تزيد الإنفاق إلى اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول كانون الثاني/يناير المقبل، وإلا فستستقل الولايات المتحدة بالقرار. أشار أحدهما إلى أن ترامب طالب بزيادة الإنفاق بحلول «كانون الثاني/يناير 2019، وإلا فستمضي الولايات المتحدة بمفردها». لكنهما أضافا أنه لم يصل إلى حد التهديد مباشرةً بالانسحاب رسمياً من الحلف.
وفق المصدرين، فقد هاجم ترامب مجدداً شركاءه في حلف شمال الأطلسي في ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، ما دفع الزعماء إلى عقد جلسة خاصة تستبعد المشاركين من غير الأعضاء. في لحظة معينة، وخلافاً للأعراف الدبلوماسية، قال مصدر إن ترامب خاطب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باسمها الأول، قائلاً لها: «أنجيلا يتعيّن عليك اتخاذ موقف في هذا الشأن».

ذكرت تقارير أن ترامب قد يكون مستعداً للتنازل عن القرم لبوتين(أ ف ب )
كذلك، كتب على «تويتر»، صباح اليوم، أن «ألمانيا باشرت للتو بدفع مليارات الدولارات لروسيا، البلد الذي تريد أن تحمي نفسها منه، لسدّ حاجاتها من الطاقة عبر خط أنابيب غاز جديد قادم من روسيا. هذا غير مقبول!». على وقع تلك التصريحات، أبلغت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باقي الدول الأعضاء في «حلف شمال الأطلسي» بأن على ألمانيا بذل المزيد في ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، وذلك خلال مناقشات «جوهرية جداً» في قمة الحلف اليوم. وأشارت ميركل إلى أن عقد «قمة مكثفة جداً»، مضيفةً أن ترامب طالب بتغيير في تقسيم العبء داخل التحالف، لكن في النهاية قدّم كل طرف التزاماً واضحاً تجاه الحلف.
بدوره، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الحلف «يخرج أقوى بكثير» من قمّته التي استغرقت يومين. ماكرون نفى، في مؤتمر صحافي عقده في بروكسل، أن يكون ترامب قد ذكر في أي لحظة خلال الاجتماعات أن «الولايات المتحدة يمكن أن تنسحب من حلف شمال الأطلسي».

لقاء معقّد مع بوتين؟
قالت موسكو، اليوم، إن هجمات الرئيس دونالد ترامب على أنبوب «نورد ستريم 2»، الذي سينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ترقى إلى «منافسة غير نزيهة». ورأى المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن تلك الانتقادات محاولة لإجبار الأوروبيين على شراء غاز بأسعار أغلى من مصادر أخرى. كذلك، أشار إلى أن «نورد ستريم 1 ونورد ستريم 2 مشروعان تجاريان فقط، يتفقان مع مصالح مزودي الغاز الطبيعي ومشتري الغاز الطبيعي في غرب أوروبا». وتابع بيسكوف أن «روسيا أثبتت لعقود وتواصل إثبات كونها مصدراً يمكن الاعتماد عليها لأمن الطاقة إلى أوروبا».
أما عن لقاء ترامب مع بوتين بعد أيّام، فقد قال الكرملين إن توبيخ ترامب لألمانيا في مستهل قمة «الأطلسي»، أمس، يحتمل أن «يعقّد» المحادثات مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين. من جهته، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم، أنه سيطرح مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، خلال لقائه مع بوتين في هلسنكي. وأشار إلى أنه سيطرح «أسئلة بشأن سوريا، سأطرح أسئلة عن التدخل، سؤالكم المفضل».
عن بوتين، وصفه ترامب بأنه «منافس» وليس «عدواً»: «قال البعض، هل هو عدوي؟ لا إنه ليس عدوي. هل هو صديقي؟ لا، لا أعرفه جيداً، ولكن في المرتين اللتين قابلته فيهما انسجمنا تماماً».
كذلك، وجه الصحافيون إلى الرئيس الأميركي سؤالاً عمّا إذا كان مستعداً للاعتراف بضم روسيا إلى شبه جزيرة القرم في عام 2014، بعدما ذكرت تقارير أن ترامب قد يكون مستعداً للتنازل عن القرم لبوتين مقابل التعاون في سوريا، فأجاب: «ما الذي سيحدث للقرم؟ لا أستطيع أن أجيب عن ذلك، ولكنني لست سعيداً بشأن القرم». وألقى ترامب باللوم في مسألة القرم على سلفه باراك أوباما، «الذي سمح بحدوث ذلك».
وبشأن التدريبات العسكرية لـ«حلف شمال الأطلسي» قرب الحدود الروسية في بحر البلطيق، التي تعتبرها روسيا استفزازية، أشار إلى أنه يتوقع أن يناقشها مع بوتين، علماً أن الدول الأوروبية تريد أن تبقي الولايات المتحدة على التزامها بمواصلة الدفاع عن القارة تحت مظلة «حلف شمال الأطلسي».