في خطوة وُصفت بأنها «ضربة للسياسة الحمائية» التي يتبناها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقع الاتحاد الأوروبي واليابان اتفاق تجارة حرة، أمس، هو أكبر اتفاق تفاوض عليه الاتحاد الأوروبي، ويغطي ثلث الناتج المحلي الإجمالي في العالم، ونحو 600 مليون شخص. وفي مؤتمر صحافي جمعه مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي، بعد مراسم التوقيع، قال رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إن الاتفاق «يظهر للعالم الإرادة السياسية الثابتة لليابان والاتحاد الأوروبي لقيادة العالم كرائدين للتبادل الحر في زمن تنتشر فيه الحمائية». من جهته، قال رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، الذي تحدث نيابة عن زعماء دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 28 دولة، إن الاتحاد يبعث «رسالة واضحة بأننا نقف صفاً موحداً ضد الحماية التجارية».

أما رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، الذي يرافق توسك في الجولة الآسيوية، فقد قال إنه باتخاذ «موقف حول التجارة الحرة والمنصفة، فإننا نظهر أننا أقوى وأفضل موقعاً حين نعمل معاً»، مضيفاً أن «الاتفاق يوجه رسالة مفادها بأن التجارة هي أكثر من رسوم جمركية وحواجز، إنها تتعلق بالقيم، ليس في الحمائية». وشدد المسؤولون الثلاثة على دورهم كحاملي لواء التبادل الحر في الوقت الذي يخيم ظل تهديدات ترامب باستكمال مسارات الحرب التجارية.
بلغة الاتفاق، فمن بين «المكاسب» الثنائية، أنّ قطاع صناعات الأغذية الزراعية هو الرابح الكبير في الجانب الأوروبي، إذ ينص الاتفاق على دخول 85 في المئة من الأغذية الزراعية الأوروبية إلى أسواق اليابان من دون رسوم جمركية، لكن مع فترات انتقالية في بعض الأحيان. أمّا المواد الأخرى مثل لحم الأبقار، فسيتم فرض رسوم متدنية بالتدريج عليها، بينما لا يشمل الاتفاق الأرز وهو منتج يرتدي رمزية عالية بالنسبة إلى اليابانيين. وتتعهد اليابان الاعتراف بأكثر من 200 علامة تجارية على غرار جبنة «روكفور» ولحم «جنبون داردين» البلجيكي والفودكا البولندية وغيرها من التي ستحظى «بالحماية نفسها كما في داخل أوروبا».

بدأت بروكسيل وطوكيو التفاوض في شأن اتفاقية للتجارة الحرة عام 2013


وكانت المفاوضات معقدة، في شكل خاص حول مشتقات الحليب وهو قطاع حساس بالنسبة إلى اليابان. ويلغي الاتفاق الرسوم الجمركية المرتفعة جداً على العديد من منتجات الأجبان، لكن المرحلة الانتقالية يمكن أن تستغرق 15 عاماً، فيما يحصل اليابانيون في المقابل على وصول حر إلى السوق الأوروبية لقطاع صناعة السيارات لكن بعد فترة انتقالية من سنوات عدة. كما يشمل الاتفاق فصلاً حول التنمية المستدامة. أما حماية الاستثمارات، التي شكّلت نقطة الخلاف الأساسية في المفاوضات، فلم يأتِ الاتفاق الموقع على ذكرها.
وتتيح غالبية الاتفاقات التجارية في العالم للمؤسسات التي تشعر بأن سياسات بلد معين استثمرت فيه، تضرها، الحق في مقاضاته من أجل الحصول على تعويض. ويتم حسم هذه الخلافات عادة عبر نظام تحكيم لم يعِد الأوروبيون يريدون اللجوء إليه. وتقول مصادر أوروبية إن «غياب هذا الشق حول حماية الاستثمارات يجعل من غير الضروري مصادقة برلمانات الدول الأعضاء في التكتل على الاتفاق».
وقبل التوجه إلى اليابان، كان المسؤولون الأوروبيون قد حطوا في بكين حيث شاركوا في القمة العشرين للاتحاد الأوروبي والصين التي اندرجت أيضاً في سياق رصّ الصفوف إزاء سياسة ترامب. وقال يونكر الذي سيزور واشنطن في 25 تموز الجاري للقاء الرئيس الأميركي، إنّ «التعددية تتعرض لهجوم غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية»، بينما اعتبر توسك أن «الوقت لم يفت بعد لتفادي النزاعات والفوضى». كما حذر صندوق النقد الدولي من الآثار السلبية للتوتر التجاري السائد حالياً على النمو الاقتصادي في العالم على المدى القصير.
في السياق ذاته، يرى الباحث لدى معهد «ميزوهو» في اليابان، جونيشي سوغاوارا، أن موقف ترامب «حمل اليابان والاتحاد الأوروبي على تسريع وتيرة المفاوضات»، مضيفاً أن آبي «يقيم علاقات جيدة مع ترامب، لكن اليابان في صف الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالتجارة». يُذكر أن الاتحاد الأوروبي واليابان أطلقا التفاوض في شأن اتفاقية للتجارة الحرة بينهما في عام 2013، وتوصلا إلى الاتفاق في الأيام الأخيرة، بينما يأمل الطرفان بدخوله حيز التطبيق مطلع العام المقبل. وتعد اليابان ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في آسيا بعد الصين.
وكانت اليابان تصدر إلى الاتحاد الأوروبي أكثر مما تستورد منه، ولكن العلاقات التجارية أصبحت أكثر توازناً خلال السنوات الأخيرة. وعلى رغم ذلك فإن المفوضية الأوروبية ما زالت تصف اليابان بأنها «مكان يصعب الاستثمار أو ممارسة الأعمال فيه بسبب سمات المجتمع والاقتصاد الياباني». وبلغت استثمارات الاتحاد الأوروبي في اليابان خلال 2016 نحو 52.8 مليار يورو، في حين وصل إجمالي استثمارات اليابان في الاتحاد 205.7 مليار يورو.