بعد حوالى نصف قرن منذ إعلان علماء الوراثة زيفها، يمكن اليوم أن تظهر فكرة العرق المبنيّة على معطيات بيولوجيّة مجدداً من بوابة البحوث حول التنوّع البشريّ. في كتابه «من نحن، وكيف وصلنا إلى هنا»، يدين عالم الوراثة ديفيد رايش، الأطروحة السائدة حول التجانس الجينيّ وتوظيفها الممكن من قبل علماء مزيّفين لشرعنة سياسيات قوميّة ـــ إثنيّة. ومع أنّ الكتاب يثير جدلاً في صفوف الجماعة العلميّة، إلاّ أنّ رايش ليس الوحيد الذي يحذّر من آثار التفنيد العلميّ للتنوّع البشريّ وافتراض أنّ اختفاء الأساس البيولوجيّ للعرق سينهي جميع تبريرات العنصريّة.

منذ أعوام، يخشى عالم الوراثة الفرنسيّ ألكس كوهين «عدم انكبابنا على العمل، بدافع الجهل أو تحت تأثير افتراضات أيديولوجيّة». وبما أنّ العلوم الجينيّة لا تزال مجالاً يجري اكتشافه، يمكن لظهور معطيات جديدة السماح بمقاربة التنوّع الجينيّ البشريّ على نحو أدقّ مما مضى. ورغم ارتفاع مستوى التشابهات الجينيّة بين البشر، يشهد الخطاب العلميّ حول تجانس الفضاء البشريّ ودحض وجود تنوّع بيولوجيّ كبير نقاشاً متنامياً. فهل يمكن لدراسات أكثر تعمّقاً حول الاختلافات البيولوجيّة أن تضع تصنيفات للمجموعات البشريّة تؤسس لوجود الأعراق؟
يُطرح السؤال اليوم في حين أنّ النظريات العنصريّة المرتكزة على الاختلافات اللغويّة، والمتجذّرة في الفكر المهيمن خلال القرن التاسع عشر ضمن أعمال كتّاب مثل جوزيف آرثر دو غوبينو، الذين ألهمت كتاباتهم بعد أقلّ من قرن المنظّرين النازيين لـ«النقاء العرقيّ» وتيار تحسين النسل، قد هُزمت نهائيّاً في بداية السبعينيّات.
يتعامل علماء الوراثة مع عناصر تسمى «علامات وراثيّة متعددة الأشكال»، التي تحدد الاختلافات الفيزيولوجيّة والجسديّة مثل الفصائل الدمويّة و«مستضدات الكريات البيضاء البشريّة»، ويخلصون إلى أنّ هذه العلامات ليس لها شكل مميّز لدى أيّ مجموعة بشريّة معيّنة يُعطي أساساً بيولوجيّاً للعرق، ما يعيدنا إلى الاستنتاج المجمع عليه بأنّ العرق بناء اجتماعيّ.
وتوفّر الدراسات حول الجينوم البشريّ التي بدأت في التسعينيات مقياساً أكثر دقّة للتنوّع الجينيّ لدى الجنس البشريّ الذي يعتبر ضئيلاً. ما لا جدال فيه، وفقاً لذلك المقياس، هو وجود أقلّ من 0.1 في المئة من التنوّع الجينيّ بين شخصَين تمّ اختيارهما على نحو اعتباطيّ، ويمثّل ذلك أساس الخطاب السائد حول تجانس الجنس البشريّ. اليوم، يشكّك عالم الوراثة في «جامعة هارفرد»، ديفيد رايش، في هذه العقيدة.
في عمود نشر في جريدة «نيويورك تايمز» في شهر نيسان 2018، يطرح رايش سؤالاً يقول: «كيف يجب علينا التجهّز لفرضيّة أن تُظهر دراسات وراثيّة في الأعوام المقبلة أنّ خصائص عديدة تتأثّر باختلافات جينيّة وأنّ تلك الصفات تختلف بين المجموعات البشريّة؟»، ويخلص إلى أنّ «الدفع باستحالة وجود اختلافات جوهريّة بين المجموعات البشريّة لا يخدم إلاّ التوظيف العنصريّ لعلم الوراثة، وهو ما نريد تجنّبه بالضبط».

أطروحة التجانس الجينيّ توظّف لشرعنة سياسيات قوميّة ـــ إثنيّة


وإذا ما كانت التكلفة التقنيّة والماليّة لدراسة عالميّة حول التنوّع الجينيّ هي ما أخّرت لوقت طويل الفهم المعمّق لهذه المسألة، فإنّ التطوّر المستمر في الأعمال حول الجينوم البشريّ يميل إلى تنسيب الاستنتاجات حول ضآلة الاختلافات. فحتى في وجود 99.9 في المئة من التشابهات، يوجد علميّاً ثلاثة ملايين اختلاف بين حمضين نوويين معيّنين، ما يعني أنّ الفرضيّة حول إمكانيّة استخدام تلك الاختلافات بين الناس لتقسيمهم إلى مجموعات مختلفة لم تعد من الخيال. ووفقاً لرايش، يجب من هنا فصاعداً مساءلة الموقف الموحّد المُجمع على التجانس الجينيّ الذي مثّل قطيعة مع خطاب عدم التساوي البيولوجيّ الذي قاد إلى الانحرافات العنصريّة الأكثر سوءاً وإلى التقلبات السلبيّة التي شهدتها أوروبا في القرن الماضي.
ورغم عدم تشكيك عالم الوراثة في البناء الاجتماعيّ لـ«العرق»، وهو مصطلح مُقصى من المعجم الجينيّ لشحنته الأيديولوجيّة غير العلميّة، إلاّ أنّه يحذّر من الاعتقاد السائد في الخطاب العلميّ حول الاختلافات التي تُعتبر «صغيرة إلى درجة اعتبارها غير ذات معنى من الناحية البيولوجيّة ومن ثمّ تجاهلها». ويرى رايش أنّ هذا الموقف خطر ليس فقط لأنّه يعرقل فهم اختلاف التنوّع البشريّ، بل كذلك لأنّه يمكن أن يسند أطروحات علماء مزيّفين، خاصّة في الولايات المتحدة التي تشهد عودة لأطروحة عدم التساوي البيولوجيّ.
يوجد أيضاً كتاب مثيرون للجدل مثل تشارلز موراي الذي دافع منذ 1994 في كتابه «منحنى الجرس: الذكاء والبنية الطبقيّة في الحياة الأميركيّة»، الذي يدّعي أنّه علميّ، على فكرة أنّ السود المنحدرين من أوساط فقيرة أقلّ ذكاء بدوافع جينيّة من البيض أو الآسيويّين، وقد حاز الكتاب جمهوراً واسعاً، بعضه من الطبقة السياسيّة الأميركيّة التي تشمل وجوهاً مثل ستيف بانون، المخطّط الاستراتيجيّ السابق للرئيس دونالد ترمب، والتي صارت تروّج لعلم الأعراق وتوفّر غطاءً علميّاً لخطاب أيديولوجيّ مبنيّ على نقاء الأصول.
بالنسبة إلى رايش، تضفي إرادة قمع أيّ تحليل منشقّ يقطع مع أطروحة ضآلة الاختلافات الجينيّة شرعيّة أكبر على خطاب الخبراء المزيّفين القائلين إنّ مراكمة معطيات علميّة جديدة يمكن أنّ تهزّ التوافق حول التجانس البيولوجيّ. وإن كان صحيحاً أنّ الاختلافات الجينيّة بين المجموعات هي على الأرجح ضئيلة مقارنة بالاختلافات داخل كلّ مجموعة نفسها، وأنّه بناء على ذلك لا توجد حدود مميّزة بين المجموعات البشريّة تسمح بوضع تقسيم بيولوجيّ، إلاّ أنّ الاكتشافات الأخيرة تظهر أنّ بعض الاختلافات الجسديّة والفيزيولوجية فاعلة دون معرفة إن كانت (وإلى أيّ مدى) لها تأثيرات بيولوجيّة مختلفة.
من ناحية ثانية، يرى ألكس كوهين، مدير البحث في «المعهد الوطنيّ للصحّة والبحث الطبيّ» في فرنسا ومدير اللجنة الوطنيّة الاستشاريّة حول الأخلاقيّات، أنّ هيمنة خطاب التجانس الجينيّ يطرح مشكلة أخرى، حيث يُقدّر أنّ دُعاتها يسيئون فهم الافتراض الأيديولوجيّ القائل بأنّ تعزيز التجانس البيولوجيّ يقطع الطريق على التمييز ضدّ المجموعات والأفراد. وفقاً لكوهين، «التأكيد على لا شرعيّة العنصريّة لأنّه على المستوى البيولوجيّ، وخاصّة الجينيّ، لا توجد أعراق، يقود إلى الاعتراف بإمكانيّة قبول العنصريّة في حال إثبات وجود اختلاف بين التسلسلات الجينيّة على نحو إحصائيّ. وكما يمكننا التمييز بين الناس بناءً على خصائصهم الجسديّة، ولون جلدتهم، ونوعيّة شعرهم، وشكل وجوههم، إلخ، يمكننا فعل ذلك أيضاً انطلاقاً من الحمض النوويّ الذي يحوي جميع هذه الخصائص. في الحقيقة، لا يكمن هنا أصل العنصريّة، ولا تبرير معاداتها». ويذكّر كوهين بأنّ العنصريّة العرقيّة لم تعد هي السائدة اليوم، بل العنصريّة الثقافيّة، «المرفوض اليوم لم يعد الإنسان الأسود أو الأبيض أو الأصفر، بل مطبخهم، روائحهم، دياناتهم، لكناتهم، وعاداتهم».