تونس | في الأيام القليلة الماضية، أكدت مصادر مختلفة حصول تغيير على رأس القوّة العسكريّة المشتركة التابعة لـ«مجموعة دول الساحل الخمس» والتي تشمل موريتانيا، النيجر، تشاد، بوركينا فاسو، ومالي. جاء التغيير بعد عقد قمّة استثنائيّة للمجموعة بداية هذا الشهر، وكان قد سبقها هجوم مسلّح على مقرّ القيادة العسكريّة في مالي خلّف انتقادات حول وجود «ثغرات أمنيّة» في عملها واستمرار حاجتها إلى تمويلات وموارد. لكنّ هموم المجموعة المتأسسة في 2014، تتجاوز العنف المسلّح لتصل إلى معالجة ظروف بروزه التي تقول المؤشرات إنّها لن تزداد إلاّ تفاقماً.

قبل عام تقريباً، عُيّن الجنرال الماليّ ديدييه داكو، على رأس القوّة العسكريّة لدول الساحل الخمس، وجاء ذلك بناءً على خبرته الطويلة (منذ 1991) في العمل في شمال البلاد الصحراويّ وقيادته العمليّات العسكريّة خلال التدخّل الفرنسي عام 2013. لكن بقاء الرجل لم يطل، إذ أُقيل بداية هذا الشهر وعُوّض بجنرال موريتانيّ هو حنينا ولد سيدي، الذي كان يشرف على الاستخبارات العسكريّة لبلاده.
بصفة عامّة، لم يكن الأمر مفاجئاً، فقبل يوم واحد فقط من قمة «مجموعة دول الساحل الخمس» التي جاءت على هامش قمّة لـ«الاتحاد الأفريقيّ» في نواكشوط بداية الشهر الجاري، تحدّث الرئيس الموريتانيّ محمد ولد عبد العزيز، في حوار متلفز، عن وجود «ثغرات أمنيّة جديّة» في عمل القوّة العسكريّة. حديث ولد عبد العزيز لم يأتِ بلا سياق، إذ سبقه بثلاثة أيام هجوم حاول خلاله مسلحون اقتحام مقرّ القوّة في مدينة سيفاري الماليّة، أدى إلى مقتل 6 جنود.
لم يكن ذلك الهجوم الوحيد، فصبيحة انعقاد القمة، تعرّضت دوريّة عسكريّة تحمل جنوداً فرنسيّين من عمليّة «برخان» إلى هجوم بعربة مفخخة في مدينة غاو الواقعة بشمال مالي. وسبقت هاتين العمليّتين المحرجتين، وتلتهما، عمليّات أكثر دمويّة، لم تنحصر فقط في مالي، بل شملت أيضاً بقيّة بلدان المجموعة، باستثناء موريتانيا.

فرنسا تغرق في الصحراء
مثّل عام 2012 ذروة نجاحات تنظيم «القاعدة» في مالي. بدأت القصّة بسقوط نظام القذافي في ليبيا وعودة مئات من المقاتلين الطوارق إلى شمال البلاد. حينها جرى إحياء الصراع من أجل «استقلال أزواد»، وعلى وقع ضربات المقاتلين أصحاب الخبرة تراجع الجيش شيئاً فشيئاً، بخاصّة لافتقاده قاعدة شعبيّة داعمة هناك بحكم انحدار أغلب عناصره من مناطق أخرى في البلاد.
بعد السيطرة على كبرى المدن في الصحراء الشاسعة، جاء «أنصار الدين» و«تنظيم القاعدة في المغرب الإسلاميّ» وتنظيمات أخرى موالية لـ«القاعدة»، ووجدت الميدان مفتوحاً أمامها. تغيّرت الأجندة، من صراع لإقامة «وطن قوميّ» إلى «تأسيس إمارة إسلاميّة»، وتواصل الزحف جنوباً باتجاه المدن الكبرى والعاصمة باماكو، فيما لم يفد انقلاب قصير الأمد قاده النقيب أمادو سانوغو، في تغيير مسار الأحداث.
بدا واضحاً أنّ دفاعات الدولة الماليّة قاب قوسين من الانهيار، ولم يبق غير الاستعانة بالمستعمر القديم: فرنسا. نعلم الآن أنّ فرنسوا هولاند، الرئيس الفرنسي السابق، كان متردداً لجهة التدخّل العسكريّ، لكنّ مصالح بلاده الاستراتيجيّة حسمت الأمر، إذ لم تكن فرنسا لتخاطر باليورانيوم الآتي من المنطقة (يوفّر ثلث حاجات مفاعلاتها الطاقيّة)، ولا بحضورها العسكريّ والاقتصاديّ الطاغي في دول الجوار. ويزعم وثائقيّ أصدره الجيش الفرنسيّ أنّه على رغم تردّد السياسيّين، إلاّ أنّ كلّ شيء كان تحت المراقبة: عدد المسلحين ونوعيّة تسليحهم وأماكن تمركزهم.

مستقبل منطقة الساحل ليس مشرقاً، ويُخشى أنّ الأسوأ لم يأتِ بعد


ما جرى سهّل التدخّل، وحققت عمليّة «سرفال» أهدافها سريعاً من دون خسائر بليغة، لتترك مكانها لعمليّة «برخان» انطلاقاً من تموز/ جويلية 2014. تقول تقارير إنّ «برخان» تشمل أكثر من 4 آلاف جنديّ فرنسيّ، جزء كبير منهم من قوات النخبة، إضافة إلى عتادهم، ويكلّف كلّ ذلك نحو مليون يورو يوميّاً. لا يمكن لعمليّة بهذا الحجم من المصاريف أن تستمر كثيراً، لذلك حاولت فرنسا أن تجد بدائل، من دون نجاح كبير حتى الآن.
لم يفد نشر قوات تابعة للأمم المتحدة في الحدّ من خطر «المنظمات الجهاديّة»، لذلك جرى عام 2014 تأسيس «القوّة المشتركة لدول الساحل الخمس»، لكنّها بقيت حبراً على ورق ولم تقع محاولة بثّ الروح فيها إلاّ بعد عام. في 2015، وبعد خلاف بين فرنسا من جهة والأميركيّين والبريطانيّين من جهة أخرى، تبنّى «مجلس الأمن الدوليّ» في 21 حزيران/جوان قراراً حيّا فيه انتشار تلك «القوّة»، لكنّ ذلك لم يجعل القوّة تنتشر فعلاً، إذ لم تحظ بتفويض من «الأمم المتحدة» (وهذا يعني عدم الحصول على تمويل منها).
منذ ذلك الحين، بقي التمويل العائق الأساسيّ أمام تشكيل القوّة التي من المفترض أن تشمل 5 آلاف جنديّ، والمسألة الماليّة مهمّة لأنّها تمثّل أصل الرغبة الفرنسيّة في التخفّف من المسؤوليّة العسكريّة. لحلّ الأمر، جرى عقد عدد من المؤتمرات، تعهّد خلالها «الاتحاد الأوروبيّ» بدفع 100 مليون يورو، وتعهدت السعوديّة بدفع مبلغ مماثل، فيما تعهدت الولايات المتحدة بدفع 60 مليون دولار والإمارات العربيّة المتحدة بدفع 30 مليون يورو. في نهاية المطاف، وبحلول الشهر الثاني من هذا العام، وصلت وعود التمويلات إلى 414 مليون يورو، من جملة 500 مليون طلبتها «القوّة».
حتى الآن، أي بعد أربعة أعوام تقريباً من تأسيس «القوّة» رسميّاً، لم يتحقّق الشيء الكثير على المستوى الميدانيّ. جرى إنشاء مركز قيادة في مالي (هو الذي تعرّض للهجوم)، وكليّة عسكريّة في موريتانيا احتضنت القمة الاستثنائيّة التي جمعت ماكرون برؤساء الدول الخمس بداية هذا الشهر، والتي تمّ خلالها نقاش الأهداف والخطط العسكريّة المقبلة.

ما وراء الأسلحة
لا يمكن فهم ما يحصل في جزء كبير من منطقة الساحل بعيداً عن سياقاته الإثنيّة المُسقطة من الخطابات العسكريّة وحتى التنمويّة. يعود أصل التمرّد في شمال مالي إلى مطالب إثنيّة غير متحقّقة، حيث يعتبر الطوارق أنفسهم أمّة دون دولة، تجاوزها التقسيم الاستعماريّ، وبالمثل يعيش شعب الفولاني مقسّماً بين أكثر من دولة. خلق التقسيم الاستعماريّ دولاً ممركزة تسيطر عليها نخب تنتمي في الأغلب إلى إثنيات مختلفة عن تلك المنتشرة في الأطراف. على رغم ذلك، لا يمكن للمعطى الإثنيّ، منعزلاً، تفسير الظواهر، حيث أضيفت إليه عوامل مُحفّزة تعود إلى عجز الدول حديثة التشكّل التي تعيش أغلبها انعدام استقرار سياسيّ وتداول حكم بين أنظمة دكتاتوريّة، عن صياغة سياسات إدماجيّة وتنمويّة.
يعرف شمال مالي منذ السبعينات موجات جفاف قاسية، وغياباً شبه كامل لمؤسسات الدولة الخدميّة، ويشهد نزاعات بين السكان المزارعين والرعاة لم تخلق الدولة مؤسسات وساطة لحلّها، وينطبق الأمر على جميع دول المنطقة بدرجات متفاوتة.
تشير خريطة حول «انعدام الأمن الغذائيّ» نشرتها العام الماضي «الإدارة العامة للحماية المدنيّة وعمليات المساعدة الإنسانيّة الأوروبيّة»، إلى أنّ سكان الجزء الجنوبي - الشرقيّ من موريتانيا في «حالة أزمة» غذائيّة، ويعيش الجنوب الشرقي التشادي والوسط الغربي النيجري الوضع نفسه، أما الشمال الشرقيّ لنيجيريا، الذي يمثّل منطقة النشاط الرئيسيّة لـ«بوكو حرام»، فهو يعيش في «حالة طوارئ» غذائيّة. ويعيش شمال بوركينا فاسو ومالي في «حالة ضغط» غذائيّ، وتقول دراسات إنّ عدد المتضررين من انعدام الأمن الغذائي في مجمل غرب أفريقيا يبلغ 23 مليون شخص.
لا تقف مظاهر أزمة منطقة الساحل عند ذلك الحدّ، حيث تضاف إليها أزمات النزوح التي تشمل مئات آلاف، ويرتفعون أحياناً إلى ملايين السكان من مختلف البلدان. لكن الأسوأ لم يأت بعد، إذ لا يبدو مستقبل المنطقة مشرقاً وفق ما تشير إليه المعطيات، خصوصاً في ظلّ معدلات النموّ الديموغرافيّ.
في رحلاته إلى أفريقيا، تحدّث إيمانويل ماكرون عن ارتفاع معدّل الخصوبة وتأثيراته المستقبليّة السلبيّة، وأثار حديث الرئيس الفرنسيّ حينها موجة سخط، خصوصاً أنّه لا يخلو من نوايا «تحصين» أوروبا في وجه موجات الهجرة غير النظاميّة الحاليّة والمتوقّعة مستقبلاً في حال زاد البشر وبقيت الموارد في المنطقة على حالها. على رغم ذلك، فإنّ أحاديثه لا تخلو من وجاهة أيضاً.
تشمل دول الساحل الخمس حوالى 70 مليون مواطن، ثلثاهم تحت سنّ الـ25، وتبلغ نسبة الخصوبة في النيجر مثلاً 7.4 طفل للمرأة الواحدة. لكن قد لا يمكن لنسبة خصوبة بهذا الارتفاع، في بلدان هي من بين الأفقر في العالم، إلاّ أن تنتج أزمات. لإصلاح الأمر، يقترح خبراء من الأمم المتحدة بناء برامج تنمويّة وسنّ تشريعات جديدة، من ذلك مثلاً تحقيق إدماج أكبر للفتيات في التعليم، ورفع السنّ القانونيّة للزواج، إضافة إلى وضع برامج لتحديد النسل.
كجزء من استراتيجيّته تجاه المنطقة، وضع «الاتحاد الأوروبيّ» برنامجاً تنمويّاً بقيمة 8 مليارات يورو بين عامي 2014 و2020، ويطمح لخلق مليون وظيفة وربط 1.4 مليون منزل بمصادر الطاقة، لكن يبقى الشكّ مخيّماً عليه لناحية التزام دول الاتحاد بالتمويل، ولجهة التطبيق السليم من قبل الدول المنتفعة من ناحية ثانية، خصوصاً في ظلّ انتشار الفساد فيها.
أما على الجانب الإدماجيّ، فقد توصلت الحكومة المركزية في مالي إلى اتفاق مصالحة برعاية جزائريّة في 2015 مع مجموعة من الحركات المتمردة في الشمال، تمثّل أغلبها الطوارق والعرب. لكن الاتفاق يشهد مداً وجزراً متواصلين، ويمكن أن ينهار في غياب أسس صلبة على غرار اتفاقيات سابقة كان آخرها عام 2006، لا سيما مع اقتراب تاريخ الانتخابات الرئاسيّة المرتقبة في الـ29 من هذا الشهر، والتي سيكون لنتائجها أثر مهمّ في هذا الاتجاه.