يرفض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن «يدفع أكثر» لـ«الناتو» كما شدد في قمة الحلف الأخيرة. لكنه لا يجد ضيراً في تدشين مشروع مواجهة شاملة مع إيران، رغم الأكلاف المترتبة، بدءاً من الحملة التنظيمية والإعلامية لمعارضي نظام طهران، وصولاً إلى حرب النفط والاقتصاد. ليس في ذلك تناقض، لأن من «يدفع» هذه المرة ليس واشنطن، بل حلفاؤها الخليجيون، المنخرطون في المعركة بالتزام أكبر من السابق. أمس، أطلق وزير خارجية ترامب، مايك بومبيو، حملة ضغط واسعة على إيران سوف تتصاعد في الأيام المقبلة، تُركّز على الداخل الإيراني وتواكب الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة ومؤسسات النظام الإيراني. بدأ بومبيو إذاً الحملة المنظمة التي خطط لها فريق ترامب، ويؤدي فيها كل من بومبيو ومسشار الأمن القومي جون بولتون دوراً رئيساً، وفق ما كشف دبلوماسيون أميركيون لـ«رويترز». تحاول الحملة التماشي مع الضغوط الاقتصادية والسياسية لاستثمار النتائج، من خلال إعلام تحريضي ضد الجمهورية الإسلامية ومنصات تنظيمية وإدارية.

البداية كانت مع خطاب بومبيو أمام الجالية الإيرانية في كاليفورنيا، حيث قال إن «حلم التخلص من النظام الإيراني سيصبح حقيقة»، وإن الأميركيين «ليسوا خائفين» من «استهداف النظام على أعلى مستوى»، واصفاً نظام طهران بأنه «كابوس على الشعب الإيراني». وفي الخطاب، أعلن وزير الخارجية الأميركي إطلاق شبكة إعلامية موجهة ناطقة باللغة الفارسية. وقال بومبيو: «يقوم الآن مجلس إدارة البث الإذاعي لدينا بخطوات جديدة لمساعدة الشعب الإيراني على تجاوز الرقابة على الإنترنت، ويطلق المجلس قناة تلفزيونية وإذاعة جديدتين على مدار 24 ساعة باللغة الفارسية، فضلاً عن أدوات رقمية ووسائل تواصل اجتماعية»، مضيفاً: «بهذه الطريقة سيكون الإيرانيون العاديون في إيران وحول العالم قادرين على معرفة أن الولايات المتحدة معهم».

الحملة الأميركية ستعزّز وجهة نظر إيران عن وجود استهداف خارجي


هل سينجح بولتون وبومبيو في مهمتهما؟ اللافت أن الدبلوماسيين الأميركيين الذين لم تفصح «رويترز» عن هوياتهم، كانوا قد استبقوا إطلاق الحملة بانتقاد المخطط وكشف نيات تضليلية مبيتة للإدارة من خلال استخدام «معلومات مبالغ فيها» ضد قادة النظام الإيراني. وحاولت وكالة «فرانس برس»، أمس، فور إطلاق بومبيو الحملة الدعائية الأميركية، استمزاج آراء مواطنين إيرانيين حول المشروع، ومدى ثقتهم بـ«الدعم الأميركي للشعب الإيراني». وخلص تقرير الوكالة الفرنسية إلى أن الإيرانيين «لا يثقون بتاتاً بمزاعم واشنطن بأنها تقف معهم ضد حكومتهم». ونقل التقرير عن هاليه (اختصاصي طب الأطفال النفسي في ضاحية جوردان شمال طهران) قوله: «صحيح أنه في الوقت الحالي يعاني مجتمعنا من أزمة وضغوط تخلق حالة من الاستياء... لكننا لا نريد أن يفرض علينا الغرب ثورة يمكن أن تقود إلى الفوضى»، مضيفاً: «بالنسبة إلينا، الأمن هو أهم شيء، وفي الوقت الحالي نحن ننعم بالأمن. يجب أن تطبق إصلاحات في البلاد، لكن الناس يأملون أن يتم ذلك من دون عنف حتى يكون الجميع فائزين». وقالت فيروزة (تعمل في مكتب) إن «الناس يريدون التغيير، لكن ليس بالضرورة تغيير النظام». وبرأي مواطن إيراني آخر يدعى أمير، يعاني صعوبات في العمل لتدبّر معيشته، فإن «الإيرانيين لن يقبلوا إجبارهم من قبل قوى خارجية... سوف يردون بالدفاع عن شرفهم وكرامتهم الوطنية». ويورد تقرير الوكالة أن المواطنين الإيرانيين، بمن فيهم المعارضون للنظام الحالي، يخشون «مساعي لتغيير النظام وخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي»، وبغض النظر عن رأيهم في حكومتهم، هم «مسرورون على الأقل بأن بلادهم لا تعاني من أعمال عنف كتلك التي تجتاح العديد من دول المنطقة».
وفيما بدت الحملة الأميركية متعثرة في اليوم الأول لإطلاقها، فإنها ساعدت كذلك، ومبكراً جداً، في تعزيز وجهة النظر الإيرانية بأن ثمة استهدافاً منظماً لإيران من قبل واشنطن، بصورة يصبح معها النظر إلى أي تحرك احتجاجي أو مطلبي في الداخل الإيراني بعد الآن «عملاً مدبراً» يدار من الخارج ويموله «الأعداء»، وخصوصاً بعد اعتبار بومبيو أن «الإصلاحيين» و«المحافظين» وجهان لعملة واحدة. وزارة الخارجية الإيرانية ردت على تصريحات بومبيو بالقول: «السياسة الأميركية العدائية ستوحِّد الإيرانيين»، واضعة خطابه في إطار الدليل على «التدخل في شؤون إيران الداخلية»، ومعتبرة أنه «يصبّ في خانة السياسات القديمة الرامية إلى زعزعة الاستقرار والأمن».
الأبرز في «حرب التصريحات» المتصاعدة بين واشنطن وطهران كان دخول ترامب أمس على الخط، وتوجيهه رداً مباشراً على تحذيرات الرئيس الإيراني حسن روحاني الأخيرة لترامب من «العبث» مع إيران لكي لا «يندم ندماً تاريخياً»، ومن أن الحرب مع طهران هي «أمّ كل الحروب». ترامب حاول أن يبدو أكثر حزماً، مستخدماً الأحرف الإنكليزية الكبيرة في تغريدته التي خاطب بها روحاني بالقول: «إلى الرئيس الإيراني روحاني: إياك وتهديد الولايات المتحدة مجدداً، وإلا ستواجه تداعيات لم يختبرها سوى قلة عبر التاريخ. لم نعد دولة يمكن أن تسكت عن تصريحاتك المختلة حول العنف والقتل. كن حذراً!». تغريدة ترامب، ردّ عليها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بتغريدة أخرى استخدم فيها الأحرف الكبيرة أيضاً، قائلاً: «لا شيء يثير الاهتمام! نحن هنا منذ آلاف السنين وشهدنا سقوط إمبراطوريات، بما فيها إمبراطوريتنا التي استمرت أكثر من بعض البلدان. كن حذراً!».
وفي ردود الفعل الدولية على التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، علقت الخارجية الألمانية على السجال الجاري بالقول إن تهديدات الحرب «لا تفيد أبداً». لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدا سعيداً بلهجة ترامب التصعيدية ضد طهران، حيث افتتح اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي بالتهليل لتهديدات الرئيس الأميركي، مشيداً «بالموقف الصارم الذي عبر عنه الرئيس ترامب ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يوم أمس، ضد عدائية النظام الإيراني»، وأضاف نتنياهو أن «إيران هي العدو الرئيسي لإسرائيل».