نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً، تحدّثت فيه عن مساعٍ حثيثة يقوم بها الفريق المحيط بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وخصوصاً مستشار الأمن القومي، جون بولتون، لحماية مصالح الولايات المتحدة المختلفة، والعسكرية خصوصاً، من «عدائية» ترامب نفسه. واستشهدت الصحيفة بالاجتماع الأخير لـ«حلف شمال الأطلسي»، في 11 تموز/ يوليو الماضي في بروكسل. وقالت إن كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي، سعوا إلى منع الرئيس ترامب من التوصل إلى اتفاق رسمي نهائي في اجتماع الحلف، بل دعوا سفراء «الحلف العسكري» إلى إكمال النقاشات، على مستوى الوفود الوزارية، قبل بدء الاجتماع رسمياً. وجاءت هذه الخطوة للحفاظ على اتفاق منظمة «حلف شمال الأطلسي»، الذي خضع لمفاوضات مكثفة امتدت على 11 ساعة، بحسب الصحيفة، بعد أسابيع فقط من رفض ترامب التوقيع على بيان اجتماع مجموعة الدول السبع في كندا، في حزيران/ يونيو.

بناء على طلب جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، لم يتم الإبلاغ عن محتوى الاجتماعات والنقاشات التي تمّت قبل بدء الاجتماع رسمياً. ووصف الدبلوماسيون الأوروبيون والمسؤولون الأميركيون، هذه الجهود (عدم الإبلاغ والنقاش على مستوى الوزراء) بأنها علامة على المدى الذي سيذهب إليه كبار مستشاري الرئيس لحماية «التحالف الدولي» طويل الأمد، من «العدائية» التي لا يمكن التنبؤ بها لترامب. وقال سفراء دول «التحالف»، «إن خطة المسؤولين الأميركيين نجحت إلى حدّ ما».
وكان ترامب قد عمل على تفجير الاجتماع الذي استمر ليومين في 11 تموز/ يوليو في بروكسل. وقد أدلى بتهديد غامض، حينها، بأن «الولايات المتحدة يمكن أن تسلك طريقها الخاصّ إذا قاوم الحلفاء مطالبه بإنفاق عسكري إضافي». إلا أن أولويات البنتاغون الحيوية لتحسين دفاعات «التحالف» ضد روسيا، ضَمِن لـ«التحالف» اتفاقاً جيداً، على الرغم من الألعاب النارية البلاغية التي قام بها ترامب. وقال جيمس ج. ستافريديس، وهو أدميرال متقاعد من فئة أربع نجوم، عمل في السابق كقائد لـحلف «الناتو» في أوروبا: «لقد قام فريق الأمن القومي للرئيس بعمل جيد لتحقيق نتيجة ناجحة بالحد الأدنى في قمة حلف الناتو». وأضاف متأسفاً: «من المؤسف أن يظلَّ العداء الشخصي الواضح للرئيس يخلق حالة من الاحتكاك ضمن تحالف صمد أمام اختبار الزمن».

تحرّك سريع من بولتون
في شهر حزيران/ يونيو، وقبل أسابيع من الاجتماع المقرّر في الشهر التالي، أرسل جون بولتون، مستشار ترامب، طلباً بأن يتم الانتهاء من بيان «الناتو» مبكراً ــ قبل أن يغادر الرئيس ترامب إلى أوروبا ــ عبر كاي بايلي هاتشيسون، سفير الولايات المتحدة لدى «الحلف». وذلك وفقاً لما قاله خمسة من كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين المطّلعين على المناقشات، للصحيفة، والذين اشترطوا عدم الكشف عن هويّتهم لتجنّب «غضب البيت الأبيض». مساعي بولتون، عزّزها ودعمها الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، بالقول إن «الاقتتال الداخلي المعتاد بشأن بيان (اتفاق) القمة، كان يجب إنهاؤه»، وطلب من الوفود الانتهاء من أعمالها (مناقشاتها) بحلول الساعة 10من مساء يوم العاشر من شهر تموز/ يوليو، أي الليلة التي سبقت الاجتماع. وخوفاً من تكرار كارثة مجموعة الدول السبع ــ التي رفض الرئيس ترامب التوقيع على بيانها المشترك ــ وافق جميع المبعوثين من دول «الناتو»، على أن يجروا مفاوضاتهم قبل موعد الاجتماع الرسمي الذي سيحضره ترامب. وقال مسؤولان أوروبيّان بارزان، للصحيفة الأميركية، إن «وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع جيم ماتيس حريصان أيضاً على تجنب مواجهة أخرى مشابهة لمواجهة مجموعة الدول السبع، وإن إعلان حلف شمال الأطلسي اكتمل، قبل أيام من اجتماع قادة التحالف في بروكسل». هذه الخطة، حققت عدة أهداف حاسمة لمسؤولي «الناتو»، بحسب ما رأت الصحيفة.
ومن أهم ما تقرر في الاجتماعات الأخيرة لـ«الحلف»، هو تعهّد أعضائه ببناء جيوشهم وتوفير 30 كتيبة آليات، و30 فرقة جوية، و30 سفينة قتالية، جميعها جاهزة للاستخدام خلال 30 يوماً أو أقل، بحلول عام 2020، وهي قوة للردّ بسرعة على أي هجوم على أي عضو في «التحالف». ووصف جيمي شيا، نائب الأمين العام المساعد لمنظّمة «حلف شمال الأطلسي»، الإعلان بأنه «الاتفاقية الأكثر جوهرية»، التي طرحها «الحلف» منذ سنوات. لكن سبب نجاحها، وفقاً للمسؤولين الأميركيين والأوروبيين، كان في «العمل الجدي الذي قامت به وفود الدول الأعضاء، قبل اجتماع القمة، لإبقائه بعيداً عن ترامب». وقالت ديبورا لي جيمس، السكرتيرة السابقة للقوات الجوية في إدارة أوباما: «عندما تقرأ البيان، وتضع في الاعتبار العمل الذي تم، فإن هذا هو أحد أكثر قمم منظمة حلف شمال الأطلسي التي يمكن أن أتذكرها». وقال إيريك باهون، المتحدث باسم البنتاغون، في رسالة بالبريد الإلكتروني يوم أمس، إن اجتماع القمّة كان «ناجحاً بشكل استثنائي، والنتائج تعزّز الآن التحالف». أما غاريت ماركيز، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، فقد رأى أن «إعلان الناتو أظهر وحدة 29 دولة ذات سيادة، أمام مجموعة من التحديات الأمنية الدولية الصعبة».

الخطوط العريضة فقط عُرضت على ترامب
عادة، يعمل سفراء «حلف الناتو» والوفود المرافقة، على البيانات الرسمية لعدة أشهر قبل اجتماع قمة التحالف. ولكن هذه البيانات، دائماً ما تتضمّن خلافات في اللحظة الأخيرة بشأن «اللغة»، خصوصاً أن الدول الصغيرة تستغل عادة الموعد النهائي الوشيك، من أجل تعديل القضايا الحسّاسة تجاهها. في اجتماع عام 2016 في وارسو ، تم عرض التغييرات الأخيرة في البيان على الرئيس باراك أوباما. وعلى النقيض من ذلك، قال مسؤولون أميركيون، إن «الرئيس ترامب عرضت عليه هذا العام، فقط الخطوط العريضة لما سيقدّمه الاجتماع، وليس تفاصيل».
الاتفاقية الجديدة، أو الإعلان الجديد لـ«حلف شمال الأطلسي»، منح لمسؤولي الأمن القومي الأميركي القدرة على طمأنة الرأي العام، والحلفاء الساخطين، على أن «التزام البلاد بالتحالف لا يزال سليماً، بغضّ النظر عن أي تغريدات أو مقابلات أو تصريحات من جانب ترامب ضد الحلف». بعد أسبوع من اجتماع القمة، خلال مقابلة مع تاكر كارلسون من «فوكس نيوز»، تساءل ترامب عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن «الجبل الأسود»، وهي أحدث دولة عضو في «الناتو» ولديها علاقة محفوفة بالمخاطر مع روسيا. وجواباً على ذلك، أرجع فريق الأمن القومي التابع للرئيس الأميركي، أجوبة تلك التساؤلات إلى بيان القمة، بصفته الإعلان الحقيقي عن رؤية الولايات المتحدة، في تأكيد جديد على حرصهم على البيان الصادر عن القمة كمحدّد للسياسة الأميركية في «الناتو».