في ردٍّ فعل سريع وتصعيدي، أعلنت تركيا، على لسان وزيرة تجارتها روهصار بكجان، أن البلاد «ستردّ إذا قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة»، وذلك بعد تهديد واشنطن بتشديد العقوبات إذا لم تفرج أنقرة عن القسّ الأميركي، أندرو برانسون، المحتجز لديها. وقالت بكجان أمس: «نحن رددنا (على العقوبات الأميركية) بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية وسنواصل القيام بذلك». ورغم التصعيد الأميركي، لم تتراجع تركيا عن موقفها؛ إذ رفض القضاء التركي، أمس، التماساً جديداً للإفراج عن برانسون. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن محامي القس، جيم هالافورت، قوله إن «المحكمة قضت ببقاء برانسون قيد الإقامة الجبرية»، مؤكداً أنه سيستأنف القرار بعد 15 يوماً.

الصلابة التي أظهرتها أنقرة لم تفلح في التقليل من آثار التهديد الأميركي بفرض عقوبات جديدة؛ إذ عادت العملة التركية المحلية، أمس، لتخسر من قيمتها أمام الدولار نحو سبعة في المئة. وبلغ سعر الليرة التركية 6.2499 ليرة مقابل الدولار الواحد، وذلك بعدما حققت تقدماً طفيفاً أول من أمس، وهو ما دفع وزارة المالية التركية إلى التأكيد أن قنوات الائتمان ستظلّ مفتوحة، وأنها ستتخذ تدابير لتخفيف الضغط عن البنوك والقطاع العقاري. وكان وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، قد كشف خلال اجتماع لإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن واشنطن «تخطط للقيام بالمزيد (من الإجراءات ضد أنقرة) إذا لم يفرجوا عنه (القسّ) سريعاً». وتلت تصريح منوتشين تغريدة لترامب على موقع «تويتر»، قال فيها إن الولايات المتحدة «لن تدفع شيئاً لتركيا من أجل إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون»، متوعداً بخنق تركيا.

رفض القضاء التركي أمس التماساً جديداً للإفراج عن برانسون


وأعلن وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، مصطفى ورانك، بدوره، الشروع في خطة للإنتاج المحلي لمجموعة من السلع التي تستوردها تركيا بما يعادل 30 مليار دولار على الأقل. جاء ذلك في خلال إعلانه، أمس، حزمة دعم جديدة موجهة للصناعيين والشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، قبيل عيد الأضحى. وتشمل حزمة الدعم والتدابير الوقائية 16 بنداً، من أبرزها: توفير دعم بـ500 مليون ليرة تركية (82 مليون دولار) لـ 1500 مشروع عبر وكالات التنمية، و100 مليون ليرة (16 مليون دولار) لمناطق تطوير التكنولوجيا. وكشف الوزير أن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي ستنفتح على الأسواق الخارجية ستحصل على دعم بمقدار 300 ألف ليرة تركية (نحو 50 ألف دولار). وتنص الحزمة أيضاً على توسيع نطاق التخصيص المجاني للأراضي في المناطق الصناعية، فضلاً عن إلغاء رسوم التقدم للحصول على وثيقة التشجيع الاستثماري. وأشار ورانك إلى أنه ستُعدَّل المبالغ المخصصة لدعم أنشطة البحث والتطوير، لتغطية الفارق الناجم عن المستجدات بأسعار الصرف.
وأعربت الخارجية الصينية، من جانبها، عن ثقتها بقدرة تركيا على تجاوز الصعوبات الاقتصادية المؤقتة. وقال المتحدث باسم الخارجية، لو كانغ، في بيانٍ صدر أمس: «نؤمن بأن تركيا قادرة على التغلب على الصعوبات الاقتصادية المؤقتة، ونأمل من الأطراف المعنية حلّ الخلافات عبر الحوار»، مشيراً إلى «متابعة بلاده التوجهات الجديدة التي ظهرت في الآونة الأخيرة في الاقتصاد التركي، وعلاقاتها الخارجية». ورأى المسؤول الصيني أن تركيا دولة تملك سوقاً مهماً آخذاً في الصعود، وأن «التنمية والاستقرار اللذين تواصلهما تركيا يسهمان في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، مضيفاً أن «الجانب الصيني دائماً يولي أهمية كبيرة للتعاون بين البلدين في مجال الاقتصاد والتمويل»، وبكين «تدعم مشاريع التعاون الموقعة من قبل شركات من الجانبين وفقاً لمبادئ السوق».
وفي الوقت الذي تواجه فيه تركيا صعوبات جراء هبوط عملتها التي خسرت ما يزيد على ثلث قيمتها منذ بداية العام، من المنتظر أن تسدد أنقرة والشركات التركية سندات بالعملات الأجنبية تصل قيمتها إلى نحو 3.8 مليارات دولار في شهر تشرين الأول/ نوفمبر المقبل، الذي يُعدّ الأثقل من حيث سداد السندات. إذ تصل قيمة المبالغ إلى ثلاثة مليارات دولار، فضلاً عن 762 مليون دولار هي قيمة الفائدة. وأظهرت حسابات بنك «سوسيتيه جنرال» أن شركات تركية سيتعين عليها سداد سندات مقومة بالعملة الصعبة بقيمة 1.8 مليار دولار تستحق بحلول نهاية العام، فيما سيحل أجل استحقاق سندات حكومية بقيمة 1.25 دولار. وينتاب القلق مستثمري الأسواق الناشئة بشأن عبء الدين الخارجي لتركيا وقدرة شركاتها وبنوكها على السداد بعد طفرة في الإصدارات بالعملة الصعبة كانت تهدف إلى المساعدة في تمويل اقتصاد سريع النمو. وتظهر بيانات من «إل.بي.سي» أن قروضاً بنحو سبعة مليارات دولار من المقرر أن يحلّ موعد استحقاقها حتى نهاية العام، وتشكل القروض المصرفية ما يزيد على 90 في المئة منها.



واشنطن لا تقوى على خسارة تركيا؟
على عكس الأجواء الإيجابية التي تسيطر على الإدارة الأميركية وإدارتها للأزمة التركية، قال مسؤول سابق في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الأميركيين، ماثيو بريزا، إن «واشنطن لا تستطيع التخلي عن أنقرة، وستخسر كثيراً بذلك». ووصف بريزا، المتخصص بالشؤون التركية، في مقالٍ له في صحيفة «واشنطن بوست» مضاعفة ترامب الرسوم الجمركية على الصلب والألمونيوم التركيين بأنها «تصعيد خطير وعمل عدائي ضد دولة حليفة، وأنه جرى توقيت العقوبات لإحداث أعلى مستوى من الضرر على تركيا». ووفق ما قال بريزا، فإن «البيت الأبيض يبدو أنه قد قرر التخلي عن تركيا كحليف، الأمر الذي سيضعف حلف الناتو ويفقد الولايات المتحدة نفوذها بالشرق الأوسط ويهدد التحالف الذي لا تزال حربه ضد تنظيم الدولة بعيدة عن الحسم، خاصة أن التقارير الواردة أخيراً تشير إلى أن هذا التنظيم يحاول جاداً العودة إلى ميادين القتال». وأشار المسؤول السابق إلى أن العقوبات «الواسعة» سبّبت «وقف المفاوضات ذات الحساسية حول القس أندرو برونسون والتي كانت على وشك التوصل إلى اتفاق»، مشيراً إلى أنه «يبدو أن ترامب قد فقد صبره وقرر التصعيد واللجوء إلى ما سمّاه أردوغان الحرب الاقتصادية». واختتم المقال بأن «المصالح الأميركية يمكن تحقيقها بنحو أفضل بالتعاون مع أحد الحلفاء بالناتو المجاور لكل من سوريا والعراق وإيران، لا بعرقلة اقتصاده».