لم يكن أمراً عرضياً أن يقدِّم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، أمام «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينت)، «العقيدة الأمنية الإسرائيلية 2030»، في هذه المرحلة بالذات، ولم تكن مصادفة أنه تمت بلورتها خلال السنتين الأخيرتين تحديداً، أي في ضوء ما شهدته المنطقة من تطورات سياسية وأمنية. ومع أن الوثيقة الكاملة لهذه العقيدة ستبقى سرية، وسوف تقدم لاحقاً أمام «اللجنة الفرعية لشؤون الاستخبارات والخدمات السرية» في الكنيست، وأمام منتدى هيئة الأركان العامة للجيش و«الموساد» و«الشاباك»، لكن ذلك لا يعني الامتناع عن الوقوف عند الأبعاد التي تضمنتها، بالاستناد إلى ما تم الكشف عنه، لجهة سياقها وتوقيتها ورسائلها، وعلاقة كل ذلك بتطورات المشهد الإقليمي.

يأتي عرض نتنياهو لبعض معالم العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة بالتزامن مع استكمال انتصار محور المقاومة على الإرهاب التكفيري في سوريا والعراق ولبنان، وبعدما باتت إسرائيل أمام منعطف خطير نتيجة فشل كل رهاناتها السياسية والعملياتية، وما قد يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات.
يأتي هذا العرض كمحطة أولى في سلسلة نقاشات ستتواصل لاحقاً حول القضية نفسها، لكن بلحاظ أن العمل على بلورة هذه العقيدة الأمنية استمر نحو سنتين، كما أوضح مكتب رئيس الحكومة، يعني ذلك بالضبط المساحة الزمنية التي شهدت فيها البيئة الإقليمية محطات مفصلية في حركة الصراع على الساحات الثلاث: العراق وسوريا ولبنان، واتجهت نحو الحسم لمصلحة محور المقاومة، الأمر الذي دفع مؤسسة القرار إلى مواكبة هذه التطورات بدراسة الخيارات العملياتية الواجب اعتمادها لاحتواء مفاعيل وتداعيات انتصار محور المقاومة.
يتقاطع وضع أفق زمني للعقيدة (عام 2030) مع ما كشفته تقارير إعلامية إسرائيلية قبل أيام عن أكبر خطة دفاعية وتسليحية في تاريخ الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، تمتد إلى عشر سنوات (2019-2029)، وهو ما يؤكد أن هذه الصفقات هي من متطلبات هذه العقيدة التي عرضها نتنياهو، انطلاقاً من كونها تندرج تحت عنوان بناء القوة، خصوصاً أنه قيل آنذاك أيضاً إن الصفقة ستعرض على «الكابينت» لاحقاً. ومن الواضح أن ملامح هذه العقيدة، والسياق الزمني الذي تبلورت فيه، يؤشران الى تقدير إسرائيلي ما يتصل أيضاً بالنظرة إلى تطور التهديدات خلال العقد المقبل، وهو ما لفت إليه نتنياهو إجمالاً، إذ قدَّم أمام وزراء المجلس المصغر «التهديدات المتوقعة في العقد المقبل، وبناء القوة المطلوبة، ومبادئ تفعيل القوة»، من دون أن يورد مكتبه أي تفصيلات في هذا المجال.
وبما أن العقيدة الأمنية تجري بلورتها في ضوء النظرة إلى التهديدات وطبيعتها وحجمها وظروفها، يصبح من المؤكد أنها تبلورت على خلفية ما شهدته البيئة الإقليمية للكيان الإسرائيلي، وتحديداً حدودها الشمالية، حيث ترتب على فشل الرهانات الإسرائيلية والأميركية تعاظم مستويات التهديد العسكري والصاروخي لعمقها الاستراتيجي، انطلاقاً من الساحتين السورية واللبنانية. وهو ما لمّح إليه وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، بالتحذير من إعادة بناء قوة الجيش السوري، والأمر نفسه ينسحب على رفع إسرائيل شعار «إخراج إيران وحلفائها من سوريا»، ومنع التمركز العسكري الإيراني.
يؤشر بعض معالم العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة، التي تم الكشف عنها، إلى اقتناع عميق لدى صنّاع القرار بأن إسرائيل والولايات المتحدة لن يتمكنا من قطع الطريق على المسار التصاعدي لمحور المقاومة، وهو ما يُفسّر مبادرتها إلى خطوة من هذا النوع، بالتزامن مع العقوبات الأميركية المتصاعدة ضد إيران، ومع سياسة الاستهداف الموضعي الذي تنفذه إسرائيل في الساحة السورية. في هذا الاطار، كان لافتاً بروز البعد الدفاعي في العناصر التي تتشكل منها هذه العقيدة إلى جانب تعزيز القدرات الهجومية، وتعزيز القدرات في مجال «السايبر»، حيث أوضح نتنياهو أمام المجلس الوزاري المصغر أن العقيدة الأمنية الجديدة تركز على «تحسين الدفاعات الصاروخية، ومواصلة العمل على تحصين الجبهة الداخلية، واستكمال إقامة الجدران الأمنية على حدود الدولة»، وهو ما يؤكد حقيقة نظرة إسرائيل إلى مستوى الخطورة التي قد تواجه جبهتها الداخلية في المستقبل، في ضوء التطورات السورية والإقليمية الأخيرة.
على خلفية هذه القراءة، يعتزم نتنياهو «زيادة ميزانية الدفاع بنسبة 0.2% حتى 0.3% من الناتج القومي الإجمالي، في موازاة مواصلة إجراءات توفير الموارد في الجيش»، على أن تشمل الزيادة الجديدة في ميزانية الأمن مصاريف «جميع الأجهزة الأمنية، بما فيها الجيش والشاباك والموساد». وبما أن هذه الزيادة في الميزانية ستكون على حساب الاقتصاد الإسرائيلي، بل هي مشروطة به، عمد نتنياهو خلال الجلسة إلى تأكيد أن المسعى سيهدف إلى «تحقيق نمو سنوي بقدر 3 أو 4%، وصرف حوالى 6% من الناتج القومي الإجمالي على جميع الحاجات الأمنية... وحينما يصل الناتج إلى نصف تريليون دولار، سيُعاد النظر في النسبة المطلوبة للصرف على حاجات الأمن».
تبقى حقيقة بارزة تتموضع في خلفية هذه العقيدة، وتشكّل نقاط ضعف جوهرية للكيان الإسرائيلي، تناولها نتنياهو في سياق تبرير رفع نسبة الميزانية الأمنية، وتتمثل في «مساحتنا الجغرافية الصغيرة واكتظاظ السكان وكثرة التهديدات حولنا»، موضحاً أن هذه الأوضاع تفرض أن «تكون الحاجات الأمنية الإسرائيلية أكبر دائماً من حاجات أي دولة بحجم مماثل».