يومان حاسمان لحلّ الخلافات الأميركية ــــ الكندية وإنقاذ اتفاق «نافتا» من انهيار كان يبدو وشيكاً، لكن أوتاوا سعت يوم أمس، إلى إشاعة جوّ من الإيجابية بانتظار حلول يوم الجمعة، مؤكدةً في الوقت ذاته، وعلى طريقة دونالد ترامب، أن «لا اتفاق» أفضل من «اتفاق سيّئ». وزيرة الخارجيّة الكندية، كريستيا فريلاند، أعربت عن تفاؤلها بشأن المفاوضات المتواصلة في واشنطن مع الجانب الأميركي بشأن «نافتا»، وخصوصاً أن هذه المحادثات تناولت، يوم أمس، الملفات الخلافية الرئيسية بين الجانبين.

وبعد إعلان توقيع اتفاق تجاري ثنائي بين الولايات المتحدة والمكسيك، الاثنين الماضي، حطّت وزيرة الخارجية الكندية، أول من أمس، في العاصمة الأميركية، بعدما وضعت الولايات المتحدة كندا أمام خيارين صعبين، إما اتفاق بين الجانبين الأميركي والكندي ينقذ صيغة معدّلة من اتفاق «نافتا» الذي مضى ربع قرن على توقيعه، أو خروج كندا منه. وعقدت فريلاند اجتماعاً مع الممثل الأميركي للتجارة، روبرت لايتزر، أمس، قالت بعده إنه تقرّر إجراء «نقاشات أكثر تفصيلاً بشأن قضايا محدّدة»، مبديةً، في الوقت ذاته، نوعاً من التفاؤل، وخصوصاً حين أشارت إلى أن اتفاق واشنطن ــــ مكسيكو، «مهّد الطريق» للتوصل إلى اتفاق تجاري جديد لدول أميركا الشمالية. التفاؤل هذا انسحب على رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، الذي رجّح، أمس، التوصل إلى «اتفاق تجاري جيّد بالنسبة إلى كندا» مع الولايات المتحدة والمكسيك بحلول نهاية الأسبوع. لكنه أكّد أمام حشد من الطلبة في شمال أونتاريو، أن أي اتفاق «سيرتبط بمسألة إن كانت هناك صفقة جيدة في النهاية بالنسبة إلى كندا»، مضيفاً: «قلت منذ البداية إن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن (نافتا) أفضل من إبرام اتفاق (نافتا) سيّئ». وأكّد ترودو أنّ حكومته «تدافع بصلابة عن سلسلة واسعة من الأمور التي تعني الكثير بالنسبة إلى الكنديين»، مشيراً بالتحديد إلى «إدارة الإمدادات»، وهو نظام تسيطر أوتاوا من خلاله على إنتاج وسعر الألبان التي ينتجها مربّو الماشية في كندا، بفضل حصص سنوية تؤمّن لهم عائدات ثابتة يمكن توقّعها.
بدورها، تطالب الولايات المتحدة بالاستغناء عن هذا النظام المطبّق منذ سبعينيات القرن الماضي؛ وبإمكان أوتاوا أن تعرض على منتجي الألبان الأميركيين نسبة إضافية صغيرة في السوق، كما فعلت مع الاتحاد الأوروبي في اتفاق للتبادل الحر أبرم العام الماضي.
وسبق لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الاقتصادية، لاري كودلو، أن طلب من أوتاوا إدراج هذا القطاع في المفاوضات، فيما تعهّد رئيس الوزراء الكندي بالدفاع عن «إدارة الإمدادات».
وكان ترامب قد أشار بلهجة ساخرة: «لديهم مشكلة مع كلمة حليب... لديهم هذا النظام المخطط له والذي تديره الحكومة»، مذكّراً بأن الرسوم الجمركية الكندية على منتجات الألبان الأميركية تبلغ 300 في المئة، فيما أكد كودلو أنه «سيترتب عليهم تصحيح ذلك».
وهناك نقاط خلاف أخرى بين واشنطن وأوتاوا؛ إذ تعارض كندا، مثلاً، سعي الولايات المتحدة إلى إلغاء آلية تسوية الخلافات (الفصل 19) التي يبدو أنه تم التخلي عنها في الاتفاق مع مكسيكو. وقد استخدمت كندا هذا النص للاحتجاج على قوانين مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية الأميركية.
«موجة انتقادات» شهد الاتفاق التجاري الموقّع حديثاً بين واشنطن ومكسيكو، موجة انتقادات محلية وعالمية. وقالت مجلة «تايم» الأميركية، في تقرير نشر هذا الأسبوع، إن «ترامب قام بتعديل نافتا، لكن هذا ليس صحيحاً»، مشيرة إلى «أن الرئيس الأميركي معروف دائماً بوعوده المبالغ بها... وذلك الاتفاق، سيواجَه بمعارضة ساحقة من أعضاء الكونغرس بمن فيهم الجمهوريون». وأضافت المجلة أن «ترامب لم يلتقِ رئيس المكسيك للإعلان عن نتيجة هذا الاتفاق المهم، واكتفى فقط بمحادثة صوتية»، واصفةً ذلك بـ«الأمر الهزلي». واعتبرت أن «توقيت ذلك القرار يخدم أغراضاً انتخابية»، إذ إنه يأتي قبل أقل من ثلاثة أشهر على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وفي وقتٍ «يسعى فيه ترامب إلى الحصول على دعم الفلاحين والعمال، الذين فقدوا الكثير من وظائفهم بسبب ذلك الاتفاق». وأشارت إلى أن «ترامب سيواجه تحدياً قانونياً، إذ ينص القانون على أن يتم إبلاغ الكونغرس ببدء التفاوض على تعديل الاتفاق قبل انطلاقه بـ 90 يوماً، وهو ما فعله البيت الأبيض منذ عام، لكنه لم يذكر أنه سيتم تغيير الاتفاق بالكامل».
أما وكالة «بلومبرغ» الأميركية، فأشارت إلى أن «ترامب أمهل كندا حتى يوم الجمعة، للانضمام إلى الاتفاق» واضعاً «ضغوطاً كبيرة على كندا برغم وجود بعض القضايا المحورية، التي لم تحسم بعد، وترفضها كندا». أما السبب الذي يحفز كندا على الانضمام إلى الاتفاق، بحسب الوكالة، فهو «التنازلات المهمة، التي قدّمتها المكسيك بشأن ملف أجور العمال».