إسطنبول | أصدر البنك المركزي التركي سريعاً تعهداً بالعمل على ضبط سياسته النقدية في اجتماعه المقبل في 13 أيلول/ سبتمبر، في إشارة إلى نيته إجراء رفع جديد في أسعار الفائدة. جاء ذلك عقب نشر البيانات الرسمية الصادرة من «معهد الإحصاء التركي» (تركستات) حول مستويات التضخم السنوي الذي بلغ 17.9 في المئة في آب/ أغسطس الماضي، مسجلاً أعلى مستوى منذ نحو 15 عاماً، ما يسلط الضوء على توقعات تقلب الأسعار مع تفاقم أزمة العملة.

وقال «المركزي التركي»، أول من أمس، إن التطورات الأخيرة في شأن توقعات التضخم تشير إلى أخطار كبيرة بالنسبة لاستقرار الأسعار، مضيفاً أنه سيتخذ إجراءات في هذا الشأن. ووفق بيانات معهد الإحصاء، قفزت الأسعار في البلاد بنسبة 2.3 في المئة مقارنة مع الشهر السابق، وهي نسبة أعلى من التوقعات في الاستطلاع الذي أجرته وكالة «رويترز»، عندما أشارت إلى تضخم نسبته 2.23 % على الأكثر. وتتوجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع البنك المركزي المزمع انعقاده الخميس المقبل، إذ سيحدد فيه توجهاته للمرحلة المقبلة، وهل سيرفع أسعار الفائدة خلافاً لتوجهات الرئيس رجب طيب أردوغان، أم سيبقيها عند المعدلات نفسها، وهو ما سيفاقم الأزمة ويزيد قلق المستثمرين.
وكان البنك المركزي قد فاجأ المستثمرين الدوليين سابقاً برفضه رفع أسعار الفائدة في آخر اجتماع له في تموز/ يوليو الماضي، على رغم خسارة الليرة 40% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي هذا العام، وتزايد التضخم إلى أبعد من هدفه الرسمي البالغ 5%، مبقياً عليها عند نقطة 17.75%.

تصعب تهدئة الأسواق من دون رفع مباشر وحقيقي لأسعار الفائدة


وقد يقوم البنك المركزي بخطوة رفع أسعار الفائدة على رغم معارضة أردوغان لها، في مسعى منه لتطمين الأسواق إلى أن الإدارة السياسية الحالية لا تهيمن على السياسة النقدية كلياً، حتى إن لم يكن هذا الأمر صحيحاً، إضافة إلى محاولة جذب الاستثمارات والعملات الأجنبية بعد رفع المركزي الأميركي أسعار الفائدة. هذا التردد، الذي يشهده «المركزي» التركي في عملية رفع أسعار الفائدة، يدعم الفرضية القائلة إن أردوغان «أحكم قبضته على السلطة النقدية»، خصوصاً أنه يصف نفسه بأنه العدو اللدود لأسعار الفائدة، معتبراً أن الفائدة المنخفضة تعني تضخماً منخفضاً، وهو ما لم يتمكن من إثباته حتى الساعة، كما يقول مراقبون.
وتتخوف الأسواق المحلية من هيمنة أردوغان على المشهد الاقتصادي، خصوصاً بعدما غادر الحكومة كلّ من نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك، ووزير المالية ناجي إقبال، اللذان كانا ملتزمين تهدئة الأسواق عبر انتهاج سياسات اقتصادية تقليدية تتناسب مع موقع تركيا كسوق ناشئة عالية الأخطار. وتعززت هذه التخوفات مع تخلي أركان كيليمجي عن منصبه نائباً لحاكم البنك المركزي من دون أن يدلي بأي تصريح حتى الآن حول أسباب استقالته، لكن مراقبين ربطوا بين الاستقالة والضغوط التي يمارسها أردوغان على البنك لتوجيه سياساته نحو الرؤية التي يتبناها.
ونظراً إلى حلول صهر الرئيس التركي، بيرات ألبيرق، على رأس وزارة تجمع بين الخزانة والمال، بصلاحيات واسعة، إضافة إلى تردد «المركزي» في رفع أسعار الفائدة، فإن الأسواق شهدت حالة من الذعر قد تصعب السيطرة عليها في المستقبل القريب من دون رفع مباشر وحقيقي لأسعار الفائدة، وهو من شأنه إذا حدث أن يوحي أن «المركزي» لا يزال يحافظ على بعض الاستقلالية أمام ضغوط أردوغان وصهره.
أستاذ الاقتصاد في جامعة بيكنت التركية فاتح صاري كايا، توقع في حديث إلى «الأخبار»، أن «تكون تصريحات البنك المركزي محض مسكنات لتهدئة المستثمرين في الأسواق المحلية»، قائلاً إنه «لم يحدث أي اختلاف جوهري في الأسابيع القليلة المنصرمة من شأنه أن ينذر بحلول تغيّر جوهري في السياسة النقدية التي يساهم أردوغان في فرضها على البنك المركزي، لذلك فإن رفع المركزي أسعار الفائدة، فسيرفعها بنسب بسيطة لا تذكر بهدف تسكين الأسواق».
ودلل صاري كايا على كلامه بالإشارة إلى أنه «في 10 آب/ أغسطس الذي سمي بالجمعة السوداء، وفي أوج ساعات الكارثة، لم يتحرك البنك المركزي لضبط الحالة الاقتصادية وفقاً لمعايير الاقتصاد السليمة، بل على العكس تماماً قام البنك آنذاك بتدابير لتوفير السيولة، من دون أن يصدر حتى قرارات تساهم في تهدئة الدائنين المحليين والدوليين، فلماذا سيغير السياسة المتبعة الآن؟».
من الواضح أن عشرات الشركات التركية، الكبيرة منها والصغيرة، تنتظر المنقذ. لكن هذا يتطلب تقييماً واقعياً للأضرار. وبينما النزيف في الاقتصاد لا يزال مستمراً في البلاد، يتعين على أنقرة معالجة مسألة الدولار، حتى إن أدى ذلك إلى رفع أسعار الفائدة بقوة. وحتى إذا توقف النزيف، فلا بد من توفير الأموال اللازمة للتعافي. ففي الماضي، كان صندوق النقد الدولي يقدم تلك الأموال مصحوبة بكثير من الشروط المريرة. لكن يبدو اليوم أن الحكومة تعارض طلب مساعدة «النقد الدولي»، مع أن مسألة كيفية تأمين الأموال المطلوبة للتعافي لا تزال تنتظر إجابة من أردوغان.