يوافق الـ 24 من شهر آب/ أغسطس من كل عام «يوم السكّين العالمي». فكرة تخصيص يوم للسكّين تبدو غريبة وغير مفهومة، لكن بعض الأوستراليين وجدوا لها هذا العام تفسيراً «منطقياً»، مُستَوحًى من حياتهم السياسية التي استطاعت، على رغم زحمة الأحداث العالمية المتسارعة، أن تلفت انتباه الصحافة أواخر الشهر الفائت. شاءت الصدف أن يؤدي رئيس وزراء أوستراليا الجديد، سكوت موريسون، اليمين الدستورية في الـ 24 من آب/ أغسطس، وذلك عقب انقلاب داخل الحزب الليبرالي الحاكم، ضد رئيس الوزراء السابق مالكولم ترنبول.

عملية «الطعن في الظهر»، التي شارك فيها 43 نائباً برلمانياً من داخل الحزب، ليست بجديدة، بل سبق أن شارك ترنبول نفسه فيها في عام 2015، قبل أن يقع ضحية هذا النظام السياسي الذي لم يسمح في العقد الأخير لأي رئيس وزراء بأن يكمل ولايته حتى اليوم الأخير. الانقلابات الداخلية باتت صفة ملتصقة بالسياسة الأوسترالية، وباب إدارة الحكم المتحرك يواصل دورانه السريع، مُغيِّراً الوجوه باستمرار، حتى بات المواطنون غير قادرين على تسمية رئيس وزرائهم الحالي دون مراجعة 11 عاماً من الفوضى في الحكم، شهدت وصول خمسة رؤساء وخروجهم. من يتابع المشهد من بعيد يرَ حتمية انهيار الحزب الليبرالي، الذي لا يكفّ عن تمزيق نفسه من الداخل، زارعاً هاجس الخوف من القريب قبل البعيد بين جميع أفراده. أكثر من ذلك، استطلاعات الرأي التي كانت في 2015 و2017 المُحرِّك الرئيس لعجلة الانقلابات، تؤكد انعكاس الجو السلبي داخل الحزب على الجو العام، مع تراجع التأييد الشعبي للائتلاف الذي بات كلّه مُهدَّداً بانقلاب شعبي في الانتخابات القادمة.
من الواضح أن سياسة «تبديل الوجوه» قبيل الانتخابات لم تَعُد تجدي نفعاً، بل أصبحت عاملاً مساهماً في زعزعة ثقة الناخبين، الذين إن لم يغيّروا توجهاتهم السياسية وصلوا بالحد الأدنى إلى مرحلة اليأس من قدرة السلطة الحاكمة على معالجة القضايا التي تشغل الداخل الأوسترالي، وفي مقدّمها التغيّر المناخي وأزمة الهجرة. وعلى رغم ارتفاع الأصوات المنتقِدة لأداء ترنبول، وخسارة حكومته ثلاثين استطلاع رأي على التوالي، وهي خسارة شبيهة بتلك التي استخدمها ترنبول كذريعة لإطاحة سلفه وغريمه السياسي طوني أبوت، فإن الأصوات المُندِّدة بسياسة سحب البساط من تحت رؤساء الوزارة كانت أعلى، معتبرة أنها جعلت من البلاد «أضحوكة» في العالم.
يحاول رئيس الوزراء الأوسترالي السابق، كيفن راد، الزعيم العمّالي الذي استطاع في 2007 أن يضع حدّاً لعقد من هيمنة المحافظين على الحكم، فهم «ماهية القوة الكامنة التي جعلتنا ننحدر إلى مثل هذا القاع»، معتبراً في مقال نشره في أعقاب الانقلاب الأخير أن نقطة التحوّل كانت في 2010، حين أطاحته العمالية جوليا غيلارد. وعلى رغم عودة راد إلى السلطة في 2013، فإن تداعيات الفوضى داخل البيت العمالي الواحد كانت عميقة، إذ أفقدته السلطة لمصلحة الحزب المحافظ بزعامة أبوت، الذي أطاحه ترنبول قبل أن يذوق الأخير السمّ نفسه الشهر الماضي.

من بين أسباب تفوق موريسون سياسته المتشدّدة حيال المهاجرين


«شريرة وسامّة وغير مستقرة». بهذه العبارة وصف راد السياسة الأوسترالية، مشيراً إلى وجود خمسة أسباب رئيسة دفعت البلاد نحو الهاوية، وهي: التغيّر المناخي، سلطة استطلاعات الرأي، «ثقافة المراهقة السياسية» المتفشية في جميع الأحزاب، سهولة الانقلابات الداخلية، وإمبراطور الإعلام العالمي الأوسترالي روبرت مردوخ.
يُعتبر مردوخ المسيطر الأول على وسائل الإعلام حول العالم، ولا سيما في بريطانيا والصين والولايات المتحدة ومختلف بلدان الشرق الأوسط، وبالطبع أوستراليا، حيث يستخدم سلطته للتأثير على شريحة كبيرة من المجتمع، خدمةً لأجندات سياسية واقتصادية تصبّ في مصلحته أولاً وأخيراً. تأثير مردوخ ألقى بثقله على الحياة السياسية الأوسترالية إلى درجة وصفه معها راد بـ«السرطان الأكبر الذي ينهش في ديموقراطية أوستراليا». «مردوخ ليس فقط مؤسسة إخبارية، وإنما حزب سياسي يعمل من أجل تحقيق مصالح تجارية محدّدة، بالإضافة إلى ترسيخ الأيديولوجية اليمينية المتطرفة»، يقول راد، مشيراً إلى أن إمبراطور الإعلام «دعا على مدى عقود لتخفيض الضريبة على الأثرياء، وعمل على وأد أي سياسة تستهدف معالجة التغير المناخي، بالإضافة إلى سعيه الدائم لتدمير التعدد الثقافي».
وتشكّل جميع هذه الملفات هاجساً حقيقياً للمواطن الأوسترالي، ويعتبر عدم القدرة على معالجتها الدافع الأقوى وراء تراجع التأييد الشعبي السريع لترنبول، الذي على رغم محاولاته المتكررة فشل في الإيفاء بوعوده، وذلك في ظلّ المعارضة الشرسة التي كان يتعرّض لها من قِبَل التيارات الأكثر تطرّفاً داخل حزبه. فعلى سبيل المثال، تشكّل قضية الاحتباس الحراري خلافاً جوهرياً، تسبّب ــــ وفق راد ــــ بـ«انقسام لمدّة تزيد على 10 سنوات في أوستراليا»، أكثر قارات العالم جفافاً. فبينما يريد الجناح المعتدل الالتزام بالاتفاقيات الدولية (اتفاقية باريس) للحدّ من الانبعاث الحراري، يرى الجناح المحافظ أن ذلك سيكون على حساب الازدهار الاقتصادي في البلاد، وبالتالي يعارض فرض الضرائب على الكربون. «مردوخ لا يؤمن بتغير المناخ… نشوة الانتصار كانت واضحة في التغطية الإعلامية لسقوط ترنبول، الذي كان يميل نحو فرض إجراءات للحد من الكربون»، يؤكد الزعيم العمّالي، معتبراً أن امتلاك مردوخ ثلثَي الإعلام المطبوع في أوستراليا «يشكّل احتكاراً واضحاً يناهض الديموقراطية». وكان موريسون قد أكّد، الأربعاء، أن بلاده قادرة على أن تفي بالتزاماتها تجاه اتفاقية المناخ دون فرض أي سياسات للحدّ من الانبعاثات لتحقيق هذه النتيجة، الأمر الذي اعتبره الخبراء غير منطقي.
أما الملف الشائك الثاني، الذي قد يكون من الأسباب التي جعلت موريسون يتفوّق على وزير الداخلية السابق اليميني المتشدد بيتر داتون، ويفوز بمقعد رئاسة الوزراء (45 صوتاً مقابل 40)، فهو الهجرة. شغل موريسون، الذي يصف نفسه بأنه «رجل مسيحي إنجيلي مؤمن ومحافظ، يحب عائلته ويفي بوعوده»، مناصب عدّة في السابق كوزارة الخزانة ووزارة الخدمات الاجتماعية، في حين سطع نجمه كوزير للهجرة وحماية الحدود، بعدما أطلق «عملية الحدود السيادية» لردع اللاجئين عن القدوم إلى القارة عبر البحر. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2014، اعتبرت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية أن «سكوت موريسون هو الشخص الأقوى الآن في الحكومة الأوسترالية»، مشيرة إلى أن «إمرار قانون الهجرة وقانون التشريعات البحرية المُعدَّلة أعطى وزير الهجرة سلطات غير مسبوقة، وغير قابلة للطعن، وسرية للغاية تسمح له بالسيطرة على حياة طالبي اللجوء». تحت قيادة موريسون، التي قالت الصحيفة إنه «يؤدي دور الله» في ما يخصّ حياة اللاجئين، قامت سفن البحرية الأوسترالية بطرد سفن المهاجرين في عمليات أحيطت بسرية كبيرة، انتقدتها الجمعيات الحقوقية والتيارات السياسية اليسارية.
على العموم، وفي ظلّ الفوضى التي تعصف بالمشهد السياسي، ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان موريسون سينجح حيث فشل أسلافه، ويتجاوز لعنة كرسي رئاسة الوزراء، ولا سيما أن عجلة الاستقالات بدأت بالفعل مع استقالة وزيرة الخارجية الأوسترالية جولي بيشوب، في خطوة قد تكون تداعياتها خطيرة على الحكومة، التي يعتمد استحواذها على الأغلبية في البرلمان على مقعد واحد فقط.