على رغم تحول بلدين مركزيين في الإقليم، سوريا والعراق، إلى ساحتي تنازع وصراع بين مجموعة متعددة من اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، دولتيين وغير دولتيين، فإن تطورات السنتين الأخيرتين قد عززت دور أقطاب ثلاثة، روسيا وإيران وتركيا، في تقرير مسار الصراعات الدائرة على حساب بعض اللاعبين المذكورين وبالتفاهم مع بعضهم الآخر. وقد تشكّل قمّة طهران الثلاثية بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران محطة حاسمة في هذا السياق، إذا أفضت إلى تفاهمات حقيقية حول مستقبل الوضع في إدلب. فبعد أكثر من سبع سنوات على انفجار المواجهة المحلية ـــــ الإقليمية ـــــ الدولية في سوريا، أدت نتائج وتداعيات استعارها إلى فرز تدريجي بين قوى متضررة منها (الأقطاب الثلاثة)، لتهديدها مصالحها القومية الحيوية وحتى استقرارها الداخلي وأخرى مستفيدة منها (الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين والإسرائيليين) تحاول توظيفها في إطار استراتيجية استنزاف وإضعاف الأعداء والخصوم. عاملان إضافيان عمّقا التقاطع بين الأقطاب الثلاثة، وهما تغيّر موازين القوى الميدانية لمصلحة الدولة السورية وحلفائها، وكتلة المصالح المشتركة المتعاظمة بينها. ومن المفترض أن تدفع هذه المعطيات للتوصل إلى تفاهمات تسرّع الحلّ في سوريا، إلا إذا عرقلت حسابات سياسية خاطئة ذلك.

العجز الأميركي عن التأثير في مجرى الأحداث، على رغم كثرة التهديد والوعيد باللجوء إلى القوة في حال استخدام السلاح الكيماوي، يوفر بذاته نافذة فرص لإمكانية التقدم باتجاه الحل السياسي في سوريا. فجأة، تحول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما أظهرت تغريدته التي أطلقها في الثالث من هذا الشهر، إلى داعية تروّ وتعقل ورأفة بالمدنيين، إذ طلب من الرئيس بشار الأسد (استخدم مفردة «رئيس») ومن حلفائه الإيرانيين والروس، عدم «التهور» في مهاجمة إدلب حفاظاً على أرواح المدنيين. هو ترامب نفسه الذي توعّد في الأشهر الماضية بإزالة كوريا الشمالية عن الخريطة عدة مرات، وهدّد بإلحاق خسائر بإيران لا سابق لها واقترح على قادته العسكريين، في خلال العام الماضي، اغتيال الرئيس السوري ومسؤولين آخرين. «تعقّل» ترامب مؤشر جديد على العجز الأميركي المتزايد. عن تغريدة ترامب، يقول الصحافي الأميركي فريد كابلان: «دعوة الأسد إلى عدم شن هجوم متهور من الممكن أن تفسر بأن الهجوم قد يكون مقبولاً إن كان مدروساً. ومن ثم المطالبة بالحفاظ على حياة المدنيين هي صرخة متفرّج غير معني مباشرة بما يحدث ولا يملك النفوذ السياسي أو العسكري للتأثير في الأوضاع... لقد صدرت عن الإدارة الأميركية تصريحات مشابهة قبل الهجوم على درعا لكنها لم تحرّك ساكناً عندما بدأت سوريا وروسيا بالهجوم».
سعت الولايات المتحدة إلى تحويل الصراع الدائر في سوريا إلى حرب استنزاف للدولة السورية ولإيران وحزب الله، ولروسيا بعد تدخلها العسكري المباشر منذ أيلول 2015. غير أن هذه الأطراف نجحت، من خلال التعاون في ما بينها و الزج بقواها في المعركة، في حسمها لمصلحتها. تركيا، من جهتها، اكتشفت أن الولايات المتحدة تسعى أيضاً في زعزعة استقرارها عبر الدعم النوعي الذي قدمته لـ«قوات سوريا الديموقراطية»، بذريعة محاربة «داعش»، وتورطها في المحاولة الانقلابية ضد الرئيس رجب طيب أردوغان. منذ تلك المحاولة، دخلت العلاقات التركية ـــ الأميركية في مسار انحداري مستمر تسارع أخيراً بعد اتهامات أردوغان لواشنطن بالتآمر على الليرة التركية.
ما كان للأزمة السورية أن تصبح حرباً ضروساً لولا تورط تركيا المباشر فيها وتحولها إلى قاعدة خلفية لمجموعات المعارضة المسلحة ومعبر للسلاح والعتاد. وقد تقاطعت تركيا في حربها على سوريا مع جبهة ضمت الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية، لكنها كانت تعتقد أنها الطرف الأكثر قدرة على التحكم بتطور المواجهة نظراً لوزنها ودورها المباشر ونفوذها بين أطراف المعارضة السورية. كانت لتركيا أجندتها الخاصة واعتقدت أنها قادرة على الاستفادة من مشاركة الآخرين بالحرب أكثر من قدرتهم على الاستفادة من مشاركتها. وقد زاد من رسوخ هذا الاعتقاد الأجواء التي سادت بعد «الربيع العربي» ووصول «الإخوان المسلمين» إلى السلطة في مصر وتونس واتخاذهم تركيا نموذجاً للحكم. سادت يومها تحليلات في دول المنطقة، بما فيها تركيا، عن بداية «عصر إخواني» بعد صفقة كبرى مع الغرب لزّم فيها هذا الأخير إدارة شؤونها للتنظيم الدولي مقابل الحفاظ على مصالحه وهيمنته الاستراتيجية. لكن التطورات اللاحقة أظهرت هشاشة هذه «الانتصارات» وهذه التحليلات، فقد خرج «الإخوان» من السلطة بالقوة، كما في مصر، أو بمزيج من الضغط والمساومات، كما في تونس، ولم يحرك الغرب ساكناً لمساعدتهم. لكن الأخطر بالنسبة لأنقرة هو أن الحرب السورية، بعد صعود دور الأكراد على المستوى العسكري والسياسي بدعم من الولايات المتحدة، باتت مصدر تهديد لاستقرار تركيا ووحدتها. لقد كانت لتورط أردوغان في الحرب السورية نتائج على تركيا مشابهة لتلك التي حصدتها باكستان نتيجة تورطها الطويل بالحرب الأفغانية. هذه المعطيات، إذا أضيفت إلى أخرى أكثر بنيوية أبرزها رفض الاتحاد الأوروبي المزمن والمهين انضمام تركيا إليه، من جهة، ونشوء كتلة مصالح وازنة ومتعاظمة بينها وبين الصين وروسيا، من جهة أخرى، تسمح بتفسير عملية الانزياح الاستراتيجي التي شرعت بها ابتعاداً عن «الناتو» واقتراباً من «القوى الأوراسية». هذا الانزياح، في حال استمراره، سيتيح لتركيا وللقطبين الروسي والإيراني أن تساهم في شكل كبير في صياغة مستقبل الإقليم، مما سينعكس إيجابياً على أمنهم ومصالحهم الحيوية. وتبقى سوريا ممراً إجبارياً لهذا التعاون الثلاثي الواعد.