تواجه الحكومة التركية تعثّراً واضحاً في سياساتها لمواجهة الأزمة المالية التي تمرّ بها. وتُبرِز الإجراءات المتناقضة غياب الحلول الواضحة للأزمة، بما يهدّد مصير القطاع المصرفي. المؤشرات والأرقام تشي بمخاطر جدّية قد تنفجر في القريب، لتقف المصارف التركية أمام خيارات صعبة الترجيح. وبين إعادة جدولة الديون، وتسهيل إجراءات المدينين لإعلان الإفلاس، تظلّ الليرة التركية مُراوِحة في أزمتها.

أعلن البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في منتصف عام 2013، وضع خطط لإنهاء التوسع النقدي لإدارة الأزمات، وبدء معدلات الارتفاع، في مواجهة الاقتصادات الناشئة التي تفيد بأن وفرة الأموال الرخيصة التي كانت تتمتع بها في السوق العالمية ستنتهي قريباً. لم يتلقَّ الجميع التحذير بجدّية مناسبة. ومع عدم الاهتمام بتغير المناخ، واصلت تركيا الاقتراض من خلال «دفن» القروض في السوق المحلية، وخاصة في قطاع البناء. بعد تفعيل السياسة الأميركية الجديدة، بدأت الصناديق العالمية بتجنّب أو حتى الخروج من بلدان كثيرة، مثل تركيا، ما سبّب انخفاض العملات المحلية ورفع سعر الدولار.
تكاسل تركيا عن التعديل بما يتناسب والوضع الجديد، أدخلها في مشكلات جعلت اقتصادها أكثر هشاشة. إذ وجدت الشركات الكبيرة التي لديها ديون خارجية - ولكن دون أي تحوّط من العملات الأجنبية - نفسها تجلس على برميل بارود. لم تستطع الإدارة المالية الجديدة للبلاد كسب ثقة الجهات الاقتصادية الفاعلة، المحلية والأجنبية على حدّ سواء. ومع ارتفاع التضخم إلى 18 في المئة، وإمكانية وصوله إلى 20 في المئة بحلول نهاية العام، استمرّ تراجع الليرة أمام الدولار.
ساءت الأمور أكثر في أواخر تموز/ يوليو حين توتّرت العلاقات السياسية مع واشنطن، وبلغت ذروتها بفرض عقوبات أميركية غير مسبوقة على أنقرة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة المخاطر في تركيا، وانعكست على مقايضات التخلّف عن سداد الائتمان، وبلغت مستويات قياسية، مُتجاوِزة حتى تلك التي في اليونان بنحو 200 نقطة أساس.
ومع اندلاع الأزمة بين الحلفاء في «الناتو»، سقطت الليرة في منحدر جديد، بعدما ارتفع سعر الدولار 19.5 في المئة في الأسابيع الثلاثة منذ 26 تموز/ يوليو، عندما شدّدت واشنطن لهجتها تجاه أنقرة. وفي 13 آب/ أغسطس، تدخّل البنك المركزي والجهة التنظيمية المصرفية بتدابير لتوفير السيولة. ومثلما بدأت الإجراءات تؤتي ثمارها وارتفعت الليرة لبضعة أيام، عرقلت هزّةٌ مركزها أنقرة هذا الانتعاش؛ إذ أصدرت وزارة الخزانة التركية بياناً في 17 آب/ أغسطس، تحدثت فيه عن الجهود المستمرة للتخفيف من تأثير أزمة العملة، أفصحت فيه عن بعض الإجراءات التي ستتخذها للمواجهة. لكن البيان كان بالنسبة إلى البنوك بمثابة إشارة مشؤومة إلى أن الوزارة تعتزم دعم الشركات المدينة على حساب المقرضين. إذ تضع هذه الإجراءات العبء على البنوك، ما يتطلّب منها الحفاظ على قنوات الائتمان مفتوحة وتوفير المرونة في آجال الاستحقاق. إحدى النقاط التي قُرئت من خلال تلك الإجراءات كانت «التأخير في سداد القروض، والشيكات من دون رصيد والفواتير المُحتجَزة الناشئة عن البيئة الاقتصادية السائدة سيتم اعتبارها حالة اضطرارية دون اتخاذ أي إجراء ضدها»، ما يعني أنه لن يوقَف وصول الائتمان إلى الشركات المتعثرة.
أدى القلق في القطاع المصرفي والأسواق المالية إلى ارتفاع الدولار من جديد في وجه الليرة، ما دفع الوزارة إلى التراجع في وقت لاحق عن بعض الإجراءات. وقال بيان ثانٍ إن التدابير لم تكن سوى «توصيات» من قِبَل جمعية المصارف التركية، وليست قرارات للوزارة. ربما كانت الحكومة قد تراجعت فعلاً، لكن نيّتها الأساسية دعم الشركات المدينة بالمطالبة بمزيد من «التسامح» من البنوك، وهو أمر أصبح الآن في العلن.
وأظهر مسح للشركات، نُشرت نتائجه الأسبوع الماضي، أن نشاط قطاع الصناعات التحويلية في تركيا انكمش في آب/ أغسطس للشهر الخامس على التوالي، مع تباطؤ الإنتاج والطلبيات الجديدة بفعل أزمة العملة. وقالت لجنة من غرفة الصناعة في إسطنبول إن مؤشر مديري المشتريات في قطاع الصناعات التحويلية تراجع إلى 46.4 من 49.0 نقطة في الشهر السابق، ليظلّ دون مستوى الخمسين الفاصل بين النمو والانكماش. وعزت اللجنة هذه القراءة إلى تباطؤ الإنتاج والطلبيات الجديدة، وأضافت أن هبوط الليرة التركية، التي خسرت نحو 40 في المئة من قيمتها منذ بداية العام، أدى دوراً محورياً في الظروف الصعبة في قطاع الأعمال، وساهم في زيادة الضغوط التضخمية، إذ ارتفعت تكاليف المدخلات والإنتاج لأقصى حد منذ بدء المسح في 2005.
يضع هذا المسح الشركات والمصانع التركية المدينة أمام خيارات صعبة، وهو مؤشر خطير لدى البنوك الدائنة لتلك الشركات، يفتح باب الأسئلة عن السبيل الذي اتخذته الحكومة التركية للخروج من تلك الأزمة، وكيفية توفير المصارف السيولة الكافية للوفاء باستحقاقاتها، قبل انفجار الأزمة وفوات الأوان.