تتفاعل ألمانيا، على غير عادتها، بشكلٍ ديناميكي، مع الوضع القائم في الشرق الأوسط، خصوصاً مع طرحها، في الأيام الماضية، احتمال التدخل عسكرياً في سوريا، التي تستعد للقضاء على آخر البؤر الإرهابية في محافظة إدلب، في خطوةٍ مفاجئة تبتعد عن تقليد سياسة خارجية ألمانية استمرّ مدة عقدين على الأقلّ، قوامه التجارة والاقتصاد والحفاظ على «الوضع القائم»، وهو تغيّر له من جهة أبعاداً خارجية، وأبعاداً داخلية من جهة أخرى.


سوريا أولاً...
تستمرّ محاولة ألمانيا في تكريس ما يبدو أنه استراتيجية جديدة تجاه الشرق الأوسط، وسوريا خصوصاً، مع إعلان وزير خارجيتها، هايكو ماس، قبل استقباله اليوم، نظيره الروسي سيرغي لافروف، أن ألمانيا على استعداد «للمساهمة في إعادة إعمار» سوريا إذا جرى التوصل إلى «حلّ سياسي» يؤدي إلى «انتخابات حرّة» في هذا البلد. وكتب الوزير الألماني في سلسلة تغريدات قبل اجتماعه بنظيره الروسي في برلين: «من مصلحتنا أن تصبح سوريا بلداً مستقراً. لذلك، علينا أن نعيد إعماره. ولدينا دور مهم نقوم به في هذا الصدد».
تأتي هذه التصريحات ردّاً على طلب كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد عبّر عنه أثناء زيارة لألمانيا، حين دعا دول الاتحاد الأوروبي إلى المشاركة مالياً في إعادة إعمار سوريا لإتاحة عودة ملايين اللاجئين السوريين، علماً بأن ألمانيا استقبلت عام 2015 مئات الآلاف من السوريين. وشكّل تدفق هذا العدد الكبير من اللاجئين أزمةً سياسيةً داخلية في ألمانيا، مع انقسام الشارع والأحزاب بين مؤيد ومعارضٍ لسياسة «الباب المفتوح»، أثّرت، قبل عام تقريباً، بنتائج الانتخابات البرلمانية، وأدّت إلى تشكيل ائتلاف حكومي مضعضع، قوّض سلطة المستشارة أنجيلا ميركل. لذا، تجد ميركل نفسها مضطرة إلى الاستجابة لمطالب شركائها الأكثر يمينية في الحكومة التي تحتوي أيضاً على حزبٍ يساري (الاشتراكي الديموقراطي).
أضاف وزير الخارجية الألماني أن بلاده تدرك «حجم الرهان في سوريا. والأمر يتعلّق بتفادي الاسوأ، أي حصول كارثة إنسانية جديدة»، مشيراً إلى أنه سيقول للافروف إن ألمانيا تأمل «ألّا يكون هناك هجوم واسع النطاق في إدلب» شمال غرب سوريا.
يتزامن ذلك مع حشد تركي – غربي ضدّ قيام عملية عسكرية في إدلب، والتخوّف من «هجوم كيميائي» محتمل و«كارثة إنسانية» فيها، ترافق مع تعزيزات عسكرية تركية على الحدود بين المحافظة السورية ولواء إسكندرون.
خلال الأيام القليلة الماضية، لقي هذا التوجه التركي صدىً واسعاً في العواصم الغربية، فارتفعت حدة تحذيرات كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
من هذا المنطلق، طرحت ألمانيا، خلال اليومين الماضيين، على أبرز المسؤولين فيها، من بينهم المستشارة، احتمال الدخول عسكرياً في سوريا لـ«منع استخدام الأسلحة الكيميائية». وجاء ذلك بعد يومين من تصريح الحكومة الألمانية بأنها تجري محادثات مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين بشأن إمكانية المشاركة في عمل عسكري، أو بشأن انتشار عسكري محتمل في سوريا.

إيران والجزائر... وفلسطين
بالإضافة إلى الحشد على الجبهة السورية، ستجري المستشارة الألمانية زيارةً رسميةً للجزائر الاثنين المقبل، وهي الأولى لها منذ عام 2008، وفق ما أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، اليوم.
كانت ميركل قد ألغت في اللحظة الأخيرة في شباط/فبراير 2017 زيارتها للجزائر «بسبب التهاب حادّ في الشعب الهوائية» أصيب به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وأشارت وكالة الأنباء الرسمية الجزائرية إلى أنّ ميركل ستلتقي خلال زيارتها الاثنين بوتفليقة ورئيس الوزراء أحمد أويحيى، لافتةً إلى أنّ «هذه الزيارة ستُشكّل فرصة لتقييم العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وألمانيا، وتُعزّز محاور الشراكة من أجل علاقة ثنائية مكثّفة اقتصادياً». وفق الوكالة، تنشط حالياً في الجزائر أكثر من 200 مؤسّسة ألمانية في مختلف القطاعات. في الأشهر السبعة الأولى من عام 2018، استوردت الجزائر منتجات ألمانية بقيمة 1,9 مليار دولار، ما يجعل ألمانيا تحتل المركز الخامس من بين مموّنيها، وفق أرقام الجمارك الجزائرية.
بموازاة ذلك، واليوم أيضاً، صدر موقف عن وزارة الخارجية الألمانية بشأن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة. وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية، إن قرار الولايات المتحدة إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن سيصعّب الوصول إلى حل الدولتين. أضافت أنه «نظراً لغياب التواصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الوقت الراهن، فإننا نشعر بالقلق من أن تسبب هذه الخطوة الأميركية الجديدة الأحادية الجانب مزيداً من التشدد في المواقف وتصعب استئناف.
المحادثات بشأن «حلّ الدولتين».
بخصوص إيران، وفي ظلّ الخلاف الأوروبي – الأميركي مع الخروج الأحادي لواشنطن من الاتفاق النووي وإعادتها فرض عقوباتٍ اقتصادية على طهران وتحذيرها الأوروبيين من التعامل الاقتصادي مع إيران، أكّدت متحدثة باسم وزارة الاقتصاد الألمانية، اليوم، أن برلين وشركاءها في الاتحاد الأوروبي يدرسون تأسيس نظام مدفوعات مع طهران يسمح باستمرار التعاملات التجارية معها حالما تفرض الولايات المتحدة عقوباتها. أضافت أن «ضمان تأمين تنفيذ المعاملات هدف محوري للاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية».

طرحت ألمانيا احتمال الدخول عسكرياً في سوريا بقرار منفرد (أ ف ب )

التخلّي عن «عقيدة ميركل»؟
تبتعد ألمانيا، مع ديناميتها المستجدة في السياسة تجاه الشرق الأوسط، على ما يبدو، عن لعب دور القوّة الاقتصادية فقط، وتجنح نحو دورٍ أكثر دينامية، لم تختبره من قبل هذه القوة الاقتصادية الأبرز في العالم.
قامت السياسة الخارجية الألمانية في العقدين الأخيرين على تجنّب الدخول عسكرياً في أي منطقة نزاع، بما يتناقض مع السلوك العام لحلفائها في «حلف شمال الأطلسي». وينطبق هذا التفكير على منطقة الشرق الأوسط والنزاعات القائمة فيها. السبب الرئيس في ذلك انقلاب الرأي العام الألماني، على الأقلّ منذ احتلال أفغانستان عام 2003، على أي تدخل عسكري مباشر في الخارج.
وبدلاً من الخوض عسكرياً في العالم، وإثبات الحضور والقوة الخارجيين من خلال القوة العسكرية، اعتمدت ألمانيا على حضورها الاقتصادي أساساً في سياستها الخارجية لإثبات قوتها ووجودها في النظام العالمي. انعكس ذلك في تبادلات تجارية كبيرة مع دول الخليج، خصوصاً في مجال بيع الأسلحة للسعودية (480 مليون يورو قيمة مبيعات الأسلحة للسعودية في النصف الأول من عام 2016، على سبيل المثال).
تلك المعادلة لخصت بعنوان «عقيدة ميركل» (كما وضعتها صحيفة «دير شبيغل» عام 2012)، التي شدّدت على أنه بدلاً من الخوض عسكرياً في الخارج، باستطاعة ألمانيا التركيز على دفع الحكومات «الصديقة» للمساهمة في حلولٍ سليمة للنزاعات. وبذلك، تحافظ ألمانيا على مصالحها وحضورها، من دون أن تهدّد بانقلاب الرأي العام على الحكومة.
بفعل تلك المعادلة، بقي دور ألمانيا في الشرق الأوسط محدوداً. مع ذلك، تشرح الباحثة الألمانية كريستينا كوخ في ورقة بحثية في مجلة «بوليسي بريف» عام 2015، أن لا يمكن اعتبار برلين لاعباً جيوسياسياً هامشياً في الشرق الأوسط، وذلك بسبب العلاقة الوطيدة مع إسرائيل، العلاقة الجيدة مع إيران، الشراكة المتنامية مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وفق الباحثة، فإن المقاربة الألمانية لقضايا الشرق الأوسط، بوضع أولوية للبعد التجاري للعلاقة معه والجمود على المستوى العسكري، شكّلت مثالاً واضحاً على أولوية الغرب بالحفاظ على «استقرار سطحي في الشرق الأوسط». تتابع كوخ قائلة إن ألمانيا أدّت دوراً إيجابياً في الحفاظ على الوضع القائم في عدد من القضايا: دور إيجابي في الاتفاق النووي والعلاقة مع إيران، الضغط على إسرائيل حافظ على الوضع القائم في غزة. أما في سوريا، فقد أخفقت ألمانيا، كما حلفاؤها، في إيجاد «حلول» نهائية للأزمة.
تستنتج كوخ أن هناك تطوراتٍ خارجية (الأمن في الشرق الأوسط)، تفاعلت أكثر على مدى السنوات الثلاث الماضية، تدفع إلى الاعتقاد أنّ ألمانيا قد تخرج، ولو ببطء، من مقاربتها التقليدية لاستراتيجيتها تجاه المنطقة.
فالتطورات التي حصلت في أوروبا، بالتوازي مع تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، والتدخل الغربي المباشر بها، طرحت نقاشاً جديداً بشأن السياسة الخارجية الألمانية. منذ أزمة اليورو، وصولاً إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجدت ألمانيا نفسها في موقع «قيادة» الاتحاد الأوروبي، أراده لها الأعضاء الآخرون. وفي خطابه في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2014، طرح الرئيس الألماني السابق، خواكيم غوك، إطاراً جديداً لسياسة خارجية ألمانية أكثر دينامية. وصولاً إلى اليوم، مع الطرح الجريء والجديد لبرلين بالانتشار عسكرياً في سوريا، ولو بقرار «منفرد»، تدعمه، ربما جزئياً، تبدلات سياسية داخلية سببها سيطرة اليمين على السلطة وتأثيره في المستشارة، علماً بأن أي انتشار عسكري ألماني في سوريا سيعني أن صفحة «عقيدة ميركل» قد طويت نهائياً في تاريخ ألمانيا.