إسطنبول | رضخ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أخيراً، لرؤية البنك المركزي تجاه أسعار الفوائد، في ظل أزمة الاقتصاد التركي. وعلى الرغم من الموقف العالي السقف للرجل من المؤسسة المالية وسياساتها، فإنه لم يفعل شيئاً لمنع قرارات البنك المركزي التي أنعشت العملة المحلية سريعاً. وهو ما يفسر بأكثر من سيناريو، أبرزها تعرض شعبية أردوغان للتراجع في موازاة الحاجة إلى تطمين الأسواق حول استقلالية البنك.

استبق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اجتماع البنك المركزي في 13 أيلول/ سبتمبر، ليفجر سيلاً من الاتهامات حول أداء البنك وطبيعة تعاطيه مع الأزمات المالية التي مرت وتمر بها البلاد. وصف أردوغان البنك المركزي بأنه أداة في أيدي أصحاب رؤوس الأموال لتعزيز ثرائهم الفاحش، من دون الاهتمام بمؤشرات أخرى قد تلحق الضرر بالمواطنين في الدولة. وهاجم أردوغان محافظي البنك المركزي قائلاً: «كم مرة أسهمت قراراتكم في حل الأزمات؟ التضخم هو نتيجة للخطوات الخاطئة التي اتخذها البنك المركزي دائماً وأبداً». وتساءل متهكماً: «كم مرة استطعتم تقدير نسبة صحيحة لمعدلات التضخم قبل صدور الإحصاءات؟». كانت هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها الرئيس أردوغان بنك بلاده المركزي بهذه الحدة، فيما أوحى وفق محللين بأن الخلاف بين الطرفين قد وصل إلى مراحل خطيرة.
بعد خطاب أردوغان بساعتين فقط، فاجأ البنك المركزي الأسواق المحلية والعالمية برفع أسعار الفائدة بنسبة 6.25 في المئة، وهو أعلى ارتفاع لها منذ أن أصبح رجب طيب أردوغان رئيساً للوزراء في عام 2003. وسرعان ما عززت هذه الخطوة سعر الليرة، التي فقدت 40 في المئة من قيمتها هذا العام، وجاءت لتناقض حديث أردوغان بشكل كبير ومستفز على حد وصف محللين.
وفي مواجهة الاضطرابات الاقتصادية التي غذاها تراجع الليرة، كان أردوغان يصدّر رسائل تهديد ضد ارتفاع الأسعار في البلاد نتيجة لارتفاع التضخم. لكنه في 12 أيلول/ سبتمبر، اتخذ خطوة حاسمة من شأنها أن تنصّبه بالفعل قيصراً للاقتصاد التركي، إذ عيّن أردوغان نفسه رئيساً لصندوق الثروة التركي (TVF)، الذي يمتلك أصولاً عامة بقيمة 200 مليار دولار، في حين عيّن صهره بيرات البيرق، الذي يشغل منصب وزير الخزانة والمالية التركي الحالي، نائباً له. ومن خلال توليه رئاسة مؤسسة تسيطر على الشركات العامة الاستراتيجية، فقد أصبح لأردوغان سلطة استثنائية على الاقتصاد في الدولة.

يبرر أردوغان موقفه السلبي من رفع الفائدة بالخوف من تقلّص الاستثمارات


وأمام هذه الأحداث، تبرز سيناريوات كثيرة لتفسير الحالة القائمة بين البنك المركزي والرئيس أردوغان، حيث يعتقد محللون أن قرار رفع أسعار الفائدة جاء كنوع من التأكيد على استقلاليته تجاه الرئيس الذي يعتبر رفع معدلات الفائدة «أم وأب كل الشرور». ويبرر الرئيس موقفه هذا بالخوف من تقلص الاستثمارات وكبح معدلات النمو في ظل أسعار عالية للفائدة. الجدير ذكره أن أردوغان بنى نجاحاته وسلطاته الواسعة على هذه المعدلات التي تراوحت بين 7 إلى 10 في المئة في خلال سنوات الازدهار التي شهدتها تركيا، لا سيما بين عامي 2005 و2013.
وعلّق خبير الاقتصاد التركي في جامعة «غرينيتش» في لندن جيم أوفيات، قائلاً: «ظلت أسعار الفائدة منخفضة للغاية منذ فترة طويلة بسبب ضغط أردوغان، وحتى الآن يستطيع الرجل التأثير على القرار في أروقة البنك المركزي، بل وفرض السيطرة بنسبة عالية، لذلك أتوقع أن ما حدث هو محاولة لإرسال تطمينات للمستثمرين والجهات ذات الاختصاص حول استقلالية البنك المركزي». وحول خطوة أردوغان الأخيرة تنصيب نفسه رئيساً لصندوق الثروة التركي ومدى ارتباط هذه الخطوة بقرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، قال أوفيات: «يمكن لهذه الخطوة أن تكون بمثابة إشارة إيجابية يوجهها أردوغان للمؤسسات والشركات الدائنة، أنه قد يستخدم أصول الصندوق لتيسير السداد بهدف تجنب التعثر». وأضاف: «لكن هذا إن حدث فهو أمر يحمل الكثير من الشك والخطر، حيث إن الهيكل الجديد للصندوق يعفي الأصول الاقتصادية والمالية الرئيسية لتركيا من نطاق التدقيق العام. والنقطة الثانية هي الاستخدام المخطط لصندوق الاقتراض في محاولة للتغلب على الضغوط المالية المتزايدة. حيث تحتاج تركيا إلى تأمين 230 مليار دولار من الأموال الخارجية للتغلب على اقتصادها خلال الأشهر الـ 12 المقبلة».
في المقابل، يرى المحاضر في قسم العلوم الاقتصادية في جامعة «Kültür» في اسطنبول، يوجال دوندار، الأمر على نحو مختلف؛ فبالنسبة إليه «خشية أردوغان من تدني الشعبية دفعته إلى الرضوخ على مضض لضغوط البنك المركزي بضرورة رفع الفائدة للسيطرة على سعر الليرة، وهذا ما أكده الرجل في خطابه قبل اجتماع البنك المركزي حينما قال معلقاً على الاجتماع الذي كان سيعقد بعد خطابه بسويعات: سواء رفع البنك المركزي الفائدة أم لم يفعل، سأبقى عدوّها». يرجّح هذا السيناريو نتائج الاستطلاع الذي أجرته شركة «متروبول» التركية للاستطلاعات، أن الرئيس الذي فاز في انتخابات يونيو الماضي بنسبة 52.6 في المئة من الأصوات، شهد تراجعاً كبيراً في شعبيته وصل حد 44.5 في المئة في آب / أغسطس، بعد استطلاع قامت به الشركة في 37 ولاية على مستوى البلاد. لكن دوندار بدا مستغرباً من تعاطي أردوغان مع الأزمة منذ البداية وقال: «بدا الأمر للمواطن العادي أن الأمر حرب قومية ستخوضها الأمة التركية ضد عدوّ ما... قد يكون جزء ليس صغيراً من الأزمة المالية التركية الأخيرة سببه سياسي، لكن سبب الأزمة اقتصادي بالأساس، لذلك لا بد من المصارحة مع الجمهور وإجراء تعديلات جوهرية على هيكل الاقتصاد».