تحوّلت دورة اجتماع الأمم المتحدة الحالية إلى حلبة نزال بين واشنطن وطهران، عبر التصريحات والتصريحات المضادة، وأيضاً الاستقطاب والاستقطاب المقابل لكل طرف للدول الأخرى. مسبقاً، كان البيت الأبيض قد وعد بتحويل الاجتماع السنوي لقادة الدول وممثليها إلى مناسبة لتكثيف الضغوط والتحشيد ضد إيران، خصوصاً في جلسة مجلس الأمن التي ترأسها الرئيس دونالد ترامب، تحت عنوان «مواجهة خطر انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية». كان ترامب يطمع في أن يتحول «الصراخ» من على منابر المحفل الدولي إلى سبب لتنازل طهران، والقبول بعقد لقاء بين ترامب ونظيره حسن روحاني، على هامش الاجتماع، كمقدمة لرضوخ إيران لمفاوضات جديدة. لم ينجح الرئيس الأميركي في هذا الرهان. أكثر من ذلك، نجح الإيرانيون في قلب الصورة، وجعل المناسبة فرصة لتثبيت الدعم الدولي للاتفاق النووي. حتى أمس، بدت طهران كاسبة بالنقاط، لجهة الاجتماعات الثنائية التي عقدها روحاني مع قادة الدول الأوروبية والتي خرجت بتأكيد رفض التخلي عن الاتفاق النووي، والأهم قبل ذلك اجتماع وزراء خارجية الدول الموقعة على الاتفاق النووي في نيويورك، الذي خرج بإعلان الأوروبيين إقرار نظام التبادل للإفلات من العقوبات الأميركية.

وفي اجتماع مجلس الأمن برئاسة ترامب، سمع الأخير مواقف «مخيبة» من كل من الصين وبريطانيا، اللتين أكدتا مواصلة التزامهما دعم الاتفاق النووي مع إيران، و«حق كل دولة في عقد اتفاقات تجارية واقتصادية مع إيران»، وفق مداخلة وزير الخارجية الصيني وانغ يي. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فرأى أنه «لا يمكن اختزال الأزمة الإيرانية بسياسة عقوبات». من جهته، حذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من أن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي «يهدد نظام منع الانتشار النووي في العالم». هذه المواقف في جلسة الأمن، قابلت تصريحات شديدة اللهجة تضمنها خطاب ترامب، رأى فيها أنه «في الأعوام التي تلت توقيع الاتفاق (النووي) ازدادت عدائية إيران»، متوعّداً بتدابير جديدة «أكثر شدة من أي وقت مضى للتصدي لمجمل سلوك إيران السيئ»، ستلي تطبيع القوبات «بشكل كامل» بداية تشرين الثاني/ نوفمبر.

قرقاش يحذّر: أوروبا تعرض على إيران بصيصاً من الأمل


جلسة مجلس الأمن، وكذلك اللقاءات على هامش اجتماع الأمم المتحدة، مشهدان عززا من عدم نجاح استثمار ترامب في المناسبة الدولية، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بالأسف والانزعاج، في معرض تعليقه على خطة الاتحاد الأوروبي للتحايل على العقوبات الأميركية. وقال بومبيو: «إيران تشكّل تهديداً للمنطقة، والعالم أجمع، وهناك بعض الدول التي تساعد في أمر كهذا»، مضيفاً: «أزعجني وخيّب أملي في الحقيقة بشدة سماع الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي، وهي تعلن أنها ستؤسس نظاماً خاصاً للدفع... هذا أحد أكثر الإجراءات غير البناءة التى يمكن تصورها على الإطلاق». هكذا، لم تنجح الولايات المتحدة في مفاقمة ضغوطها، واستقطاب المزيد من الدول للانخراط في الضغوط على طهران، عشية دخول الدفعة الثانية من العقوبات. وكشفت اجتماعات نيويورك عن ضيق حلفاء واشنطن في حملتها الجديدة على إيران، حيث التزمت إسرائيل والسعودية والإمارات المواقف الداعية إلى مواجهة طهران، وهو ما تجلى في فعاليات مؤتمر منظمة «متحدون ضد إيران نووية»، على هامش اجتماع المنظمة الدولية. وكان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، الأكثر تعبيراً عن «خيبة» واشنطن وحلفائها من مشهد نيويورك، إذ حذر قرقاش من أن الدول الأوروبية «تعرض على إيران بصيصاً من الأمل»، معتبراً أن الإيرانيين «يسعون لدق إسفين بين نهج واشنطن والسياسة الأوروبية». وأمس، قلّل الرئيس الإيراني، في مؤتمر صحافي في نيويروك، من شأن العقوبات الأميركية المقبلة، معتبراً أنها «لا تمثّل شيئاً جديداً». وتوقّع روحاني أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي «يوماً ماً، عاجلاً أو آجلاً»، إذ «لا يمكن أن يستمر الوضع الحالي».
في غضون ذلك، شهدت طهران اجتماعاً دولياً حول الأمن الإقليمي، شاركت فيه كل من روسيا والصين والهند وأفغانستان، إضافة إلى إيران، حضره مستشارو الأمن القومي في البلدان الخمسة. وعلى وقع احتدام التوتر مع واشنطن، سجل الريال الإيراني أعلى هبوط في تاريخه، إذ تخطى سعر الصرف مقابل الدولار الواحد الـ 170 ألف ريال.