من نيويورك، حيث شارك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إلى برلين، تلبيةً لدعوة نظيره الألماني، حيث استُقبل بالتشريفات العسكرية، في زيارةٍ تحمل أبعاداً تجارية واقتصادية، رافقتها احتجاجات مناهضة له.

تأتي هذه الزيارة في ظلّ المعاناة الأخيرة للاقتصاد التركي، إذ بعد نمو سريع استمر لسنوات، تشهد تركيا زيادة عبء ديونها الخارجية الثقيلة نتيجة خسارة الليرة 40 في المئة من قيمتها هذا العام، وتفاقمت الأزمة بعدما فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقوبات على أنقرة رداً على احتجازها قساً أميركياً.
مع هذا التعثّر الاقتصادي، يبدو أن أردوغان سيلجأ إلى ألمانيا، صديقته القديمة، لإعانته في أزمته، حيث من المتوقَّع أن يعرض جملة مطالب على المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي سيلتقي بها ثلاث مرات خلال الزيارة، ابتداءً من الغد، رغم الخلافات بينهما على المستوى السياسي التي تعود إلى الانقلاب الفاشل في عام 2016، علماً بأن الطبقة السياسية الألمانية تنتقد هذه الزيارة.
وأكثر ما يثير قلق السلطات من تأثير أردوغان على أتراك ألمانيا، احتمال إطلاقه حملات دعائية صريحة لدى افتتاحه مسجداً بعد غدٍ السبت في كولونيا التي توجد فيها واحدة من أكبر الجاليات التركية في ألمانيا.
لكن الرئيس التركي استهلّها بالتأكيد أنّه يريد أن يفتح «صفحة جديدة» للعلاقات التركية ــــ الألمانية، وفق ما كتب في مقال نشرته صحيفة «فرنكفورتر الغيميني تسايتونغ» الألمانية، عشيّة الزيارة. وحثّ أردوغان في مقاله ألمانيا على إدراج حركة «فتح الله غولن» على لائحة الإرهاب، وهو ما ألقى الضوء على الفجوة في سياسات البلدين.
في الأثناء، ستشهد ألمانيا تظاهرات تنظّمها منظمات غير حكومية تدافع عن حقوق الإنسان والجالية الكردية، وخصوصاً بعد ظهر غدٍ في برلين، حيث يأمل المنظّمون بمشاركة حوالى 10 آلاف شخص.
وتبقى مسألة تغيير النظام السياسي في تركيا وعمليات الاعتقال الكبيرة التي حصلت بعد محاولة الانقلاب، واحدةً من القضايا الخلافية الأبزر بين الطرفين، وخصوصاً أنّها طاولت مواطنين ألماناً. ووفق وزير الدولة في وزارة الخارجية، مايكل روت، في حديث إلى إذاعة «دويتشلاند فونك» اليوم، فمن «غير المقبول تماماً» أن يظلّ خمسة مواطنين ألمان مسجونين، وأنه يتعين على تركيا التحرك عندما يتعلق الأمر بالديموقراطية وحكم القانون. أضاف إنه «لا توجد دولة أخرى خارج الاتحاد الأوروبي علاقاتنا معها بهذه الأهمية وبهذه الصعوبة في الوقت ذاته».

من المتوقَّع أن يعرض أردوغان مطالبه على ميركل التي سيلتقي بها ثلاث مرات خلال الزيارة (أ ف ب)

لائحة طلبات

كونها أكبر شركاء تركيا التجاريين، ويعيش فيها 3 ملايين مواطن من أصل تركي، لا تريد ألمانيا أن ترى الاقتصاد التركي ينهار، وخصوصاً أن أكثر من 7 آلاف شركة ألمانية تعمل حالياً في تركيا. وتخشى المستشارة أيضاً أن عدم الاستقرار في تركيا سيدفعها إلى التخلي عن التزاماتها في اتفاق المهاجرين الذي وقّعه الطرفان عام 2016، ومنع الملايين من المهاجرين غير الشرعيين من عبور المتوسط والذهاب إلى ألمانيا.
وفي بادرة حسن نية، دعمت ألمانيا الجهود التركية لمنع عملية عسكرية في محافظة إدلب السورية وذلك قبل الاتفاق التركي ــــ الروسي بشأنها، اعتبرت تركيا أن وقوعها سيؤدي إلى «كارثة إنسانية»، ووصل الأمر بألمانيا أن تحدّثت عن مشاركة عسكرية لها في حال «استخدام الأسلحة الكيميائية» فيها.
بشكلٍ عام، فإنّ الأجواء بين أنقرة وبرلين حالياً أقلّ توتراً بكثير مما كانت عليه العام الماضي، حينما اتهم أردوغان القادة الألمان بأنهم «نازيون» لمنعهم وزراءه من القيام بحملات انتخابية في المدن الألمانية قبيل استفتاء نيسان/ أبريل 2017.
في هذا السياق، أفرجت تركيا عن معظم المواطنين الألمان الذين اعتقلتهم على خلفية الانقلاب الفاشل عام 2016، واستدار النقم التركي، هذه المرة، على الولايات المتحدة بدلاً من ألمانيا.
الطلبات المتوقعة التي سيعرضها الرئيس التركي في ألمانيا، قبل مغادرتها يوم السبت عديدة، لكنه على الأرجح سيعود خالي الوفاض. ومن المفترض أن يحرّك الرئيس التركي مسألة رفع ألمانيا معارضتها لاستئناف مفاوضات توقيع اتفاق بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، كذلك قد يطلب تحريك المفاوضات بشأن رفع تأشيرة الدخول إلى أوروبا عن المواطنين الأتراك. لكن الأهم من ذلك كله، وفق ما قدّرت مجلّة «ذي إيكونومست»، أن أردوغان قد يحثّ ميركل على تقديم مساعدات مالية إلى تركيا، غير مرتبطة بصندوق النقد الدولي الذي جرى الحديث، بعيد أزمة الليرة، عن حاجة تركيا للجوء إليه.
مع ذلك، نفى الطرفان افتراضات بأن تركيا قد تطلب مساعدة مالية من ألمانيا أو من الاتحاد الأوروبي. لكن التقارب قد يفتح الطريق أمام استثمارات قيمة من شركات تصنيع ألمانية أبعدتها التوترات التي شهدتها تركيا في الفترة الأخيرة.