قبل 90 دقيقة فقط من انتهاء مهلة فرضتها الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق تجاري جديد مع دول أميركا الشمالية، خرج الدخان الأبيض من اجتماع أميركي ــــ كندي، توصل الطرفان خلاله إلى «اتفاق مبدئي يشمل المكسيك» و«يتلاءم مع واقع القرن الواحد والعشرين»، ويقضي بتعديل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا). تشكل «الاتفاقية الاقتصادية الأميركية المكسيكية الكندية» التي ستحل محل الاتفاقية التي تربط بين 500 مليون شخص في أميركا الشمالية منذ عام 1994، انتصاراً كبيراً للرئيس دونالد ترامب، الذي وفى بوعدٍ قطعه قبيل انتخابه، واستبدل «أسوأ صفقة في التاريخ» (نافتا) بأخرى، من شأنها «أن تفتح باب فرص العمل على مصراعيه» في بلاده.

رضخ الرئيس الكندي جاستن ترودو، الأحد الماضي، للضغوط الأميركية، وانضم، تحت وطأة التهديد الاقتصادي والتجاري، إلى الرئيس المكسيكي المنتهية ولايته، أنريكي بينيا نييت، الذي سبق أن توصّل وترامب، بعد مفاوضات شاقة، إلى اتفاق أواخر آب/ أغسطس الماضي. بموجب الاتفاقية الجديدة، أَجبر ترامب كلاً من كندا والمكسيك، على قبول مزيد من القيود التجارية مع شريكتهما الأولى في التصدير، واشنطن، في حين خطا بدوره، أولى خطواته على طريق تقليص العجز التجاري لبلاده. وكما هي عادته، تفاخر الرئيس الأميركي بالاتفاق «الرائع»، معتبراً أن نجاحه في التوصل إلى اتفاق أنقذ منطقة تجارة حرة بحجم 1.2 تريليون دولار كانت على وشك أن تنهار، «دليل على صحة استراتيجيته في مجال التجارة الدولية».

يتفاخر ترامب باستراتيجية التهديد بأنها «نموذج يحتذى به»


لم تمر سوى بضع ساعات على الاتفاق، حتى بدأ ترامب باستحضار جبهاته التجارية الأخرى، معتبراً سياساته المثيرة للجدل، التي اعتمد فيها على التهديدات الاقتصادية، وغيرها من التكتيكات للضغط على كندا والمكسيك، من أجل تقديم تنازلات تجارية رئيسية، يجب أن تكون «نموذجاً يحتذى به»، ولا سيما في المفاوضات المستقبلية، التي ستخوضها بلاده مع الاتحاد الأوروبي والصين واليابان، وربما البرازيل والهند. وقال إن قادة العالم لا يأخذون الولايات المتحدة على محمل الجد إلا عندما «يهدد البيت الأبيض بقطع العلاقات الاقتصادية» معهم، مؤكداً أن بلاده «مستعدة تماماً لذلك (قطع العلاقات)، إذا لم يتفاوضوا (قادة الدول الأخرى)»، في تصريح اعتبرته الصحف الأميركية دليلاً على احتمال فرض واشنطن عقوبات جديدة على هذه الدول، ما لم تقم الأخيرة بإزالة القيود التجارية في تعاملاتها، أو السماح لمزيد من الاستثمارات الأميركية.
وفي محاولة لتفادي هذه التهديدات، بدأ كل من الاتحاد الأوروبي واليابان، محادثات حول كيفية التعامل مع «مخاوف» ترامب، الذي أعلن بدوره أن محادثات مماثلة بدأت بالفعل مع الهند. وبالعودة إلى الصفقة الجديدة، رحب عدد من السياسيين ورجال الأعمال والتجار بهذا «الإنجاز»، في وقت تعرّض فيه ترودو لانتقادات حادة في الداخل الكندي، وخاصةً أنه سبق أن شدّد مراراً على عدم تفريطه بحقوق المزارعين الكنديين.
وبعدما عبر رئيس الوزراء الكندي عن رضاه عن الاتفاقية، قائلًا: «إنه يوم جيد لكندا»، انتقد رئيس حكومة مقاطعة أونتاريو، دوغلاس فورد، قرار ترودو بتخفيض الدعم الحكومي، معتبراً أنه سيضع مزارعي الألبان الكنديين «على حافة الهاوية». أما ترامب، فقال إن الاتفاقية الجديدة «تفتح الأسواق أمام مزارعينا ومصنّعينا»، وفي الوقت ذاته «تقلل العوائق التجارية»، معتبراً أن هذا «التحول التاريخي... سيجمع الدول العظمى الثلاث في منافسة مع باقي العالم».

ما الجديد في الاتفاق؟
يتجنب الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك فرض رسوم جمركية إضافية، لكنه يُبقي في المقابل الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية على الفولاذ والألمنيوم الكندي. وتحافظ الاتفاقية البديلة لـ«نافتا»، على آلية لتسوية النزاعات، كانت كندا قد سعت جاهدة للحفاظ عليها، من أجل حماية قطاع الأخشاب الكندي، وغيره من القطاعات، من رسوم مكافحة الإغراق الأميركية. لكن ذلك، كان له ثمن، إذ وافقت كندا على السماح للمزارعين المنتجين للألبان في الولايات المتحدة، بالوصول إلى نحو 3.5% من سوق الألبان المحلية الكندية، البالغة استثماراتها السنوية نحو 16 مليار دولار. وبموجب الاتفاق، سيصبح من الصعب على شركات إنتاج السيارات العالمية، تصنيع سيارات رخيصة الثمن في المكسيك. ويقضي بأجور جديدة للعاملين في قطاع صناعة السيارات، إذ من الضروري أن ينفذ ما لا يقل عن 30% من حجم الأعمال، على أيدي عمال لا تقل أجورهم عن 16 دولاراً في الساعة، بينما تعتبر أجور معظم العمال المكسيكيين، أدنى من ذلك في الوقت الحالي. ويهدف هذا الإجراء الى دعم العمال في الدول الثلاث، ومن المقرر زيادة النسبة المذكورة إلى 40% في حلول عام 2023.
كذلك يؤمن الاتفاق حماية أفضل للعمال، ويتضمن قواعد بيئية صارمة، يشمل للمرة الأولى الاقتصاد الرقمي، وينص على إجراءات حماية «غير مسبوقة» للملكية الفكرية، كما يمنع «عمليات التلاعب» بالمبادلات التجارية، سواء بالعملات الأجنبية أو باستغلال دول غير موقعة امتيازات هذا النص. وقد تمّ توقيع الاتفاقية لـ 16 عاماً، مع إمكانية إعادة النظر فيها كل ست سنوات.