كشف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في تموز الماضي، عن ضغوطات تمارسها واشنطن على كل من تركيا وإندونيسيا والهند ودولاً أخرى، بشكل سرّي وعلني، من أجل التخلي عن صفقات أسلحة مرتقبة مع روسيا، واصفاً ثقافة التهديد الأميركية بـ«المؤسفة». حينها، أكد لافروف أن «الاقتصادات النامية» سترفض محاولات «التقييد» الأميركية، ولن توافق على تحول حقها في التجارة الحرة مع الدولة التي تريدها، موضع إنذار وتهديد. هذا «الاطمئنان» الروسي ترجمته نيودلهي، أمس، حين استقبلت الرئيس فلاديمير بوتين، الذي جاء محملاً بمنظومة صواريخ من طراز «أس 400»، وغيرها من الأسلحة والمعدات العسكرية. توقيع الصفقة، التي تبلغ قيمتها 5 مليارات دولار، وسبق أن وافقت عليها أعلى هيئة لمصادقة الدفاع في الهند، مطلع الأسبوع الحالي، لم يعكّره الصراخ الأميركي، كما لم تزعزعه العقوبات التي فرضتها واشنطن على الصين، الشهر الماضي، عقب شراء الأخيرة مقاتلات «سوخوي» (سو-35) ومنظومات «أس-400» الروسية.

وعلى الفور، عادت واشنطن إلى لغة التهديد، فحذرت الهند، أول من أمس، بسيناريو العقوبات نفسه، وذلك تطبيقاً لقانون «مواجهة أعداء أميركا عبر العقوبات» (CAATSA)، الذي على ما يبدو قد تنجح موسكو في تجاوزه. وسبق أن حثت وزارة الخارجية الأميركية «جميع حلفائنا وشركائنا على الامتناع عن التعاملات مع روسيا، التي تؤدي إلى عقوبات»، بموجب هذا القانون، الذي يهدف إلى «معاقبة» الرئيس الروسي بسبب «ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014، وتورطه في الحرب الأهلية السورية، وتدخّله في انتخابات الرئاسة الأميركية» عام 2016.
صحيفة «The Times of India» الهندية، نقلت عن مصدر حكومي قوله، إن روسيا ستسلّم الهند صواريخ «أس 400» في غضون خمس سنوات، وذلك بقرار نهائي غير قابل للبحث. ويأتي ذلك، بعد أن وافقت الهند أخيراً، على بدء تنفيذ صفقة لشراء سفن حربية روسية بقيمة 2.2 مليار دولار، كانت قد أبرمتها مع موسكو عام 2016. وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية روسية، بأن موسكو تخطط أيضاً لتزويد الهند 200 مروحية خفيفة من طراز «كا-226»، بقيمة مليار دولار. وتعتزم نيودلهي تسديد جميع الصفقات المبرمة مع موسكو خلال زيارة بوتين، بالعملة الهندية، بسبب العقوبات الأميركية، التي تمنع البنوك الهندية من تحويل الأموال إلى حسابات الشركات الروسية.
وتربّعت الهند، على عرش الدول الأكثر استيراداً للسلاح في العالم، خلال السنوات الـ5 الماضية، وفق تقرير مفصل عن مبيعات السلاح في العالم، بين عامي 2013 و2017، نشره «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (Sipri)، الذي كشف أن نيودلهي تستورد 12% من الأسلحة عالمياً. وتُعد روسيا، المصدر الرئيسي لهذا السلاح، إذ شكلّت صفقات التسليح الروسية 62% من واردات الهند. وتحتل الولايات المتحدة المركز الثاني، في حين ازدادت شحنات الأسلحة الواردة إلى الهند من الولايات المتحدة، خلال تلك الفترة، بأكثر من ست مرات.
ليس واضحاً ما إذا كانت واشنطن ستفرض عقوبات على الهند بالفعل، لا سيما أنها تحتاج إلى توثيق التعاون مع نيودلهي تصدياً للصين، التي تخوض معها حرباً تجارية شرسة منذ وصول ترامب إلى الرئاسة. كما أن الإجراءات الأميركية قد تشكّل تهديداً للاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع الهند، حول إجراء مناورات عسكرية مشتركة عام 2019، وتبادل معلومات عسكرية حساسة.
وشهدت العلاقات الروسية-الهندية تحسناً ملحوظاً العام الماضي، حين عقد مودي وبوتين قمة ثنائية مثمرة، وأجروا لقاءات جانبية في أستانا، وخلال قمة مجموعة العشرين في ألمانيا، قبل أن يلتقيا مجدداً خلال العام الحالي. ويأتي ذلك، بعد أن تدهورت العلاقات في السنوات القليلة الماضية، نتيجة الاصطفافات السياسية، بعد تقارب الهند مع واشنطن، وتوجه موسكو نحو تعزيز علاقاتها مع الصين وباكستان.
من المتوقع أن يبحث بوتين ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، احتمال التعاون مع روسيا لبناء محطة نووية ثانية في الهند، في وقت تقوم موسكو، بتوسيع أكبر محطة «كودانكولام» الكهروذرية في ولاية تاميل نادو الهندية الجنوبية. وعلى جدول الأعمال أيضاً، تدريب الجانب الروسي رواد فضاء من الهند، التي تسعى إلى إرسال أول مهمة فضائية في عام 2022.