يستعد حلف «الناتو» لاجراء أكبر مناورات منذ سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 تحت مسمى «ترايندت جنكتشر 18» في النرويج، يشارك فيها 45 ألف جندي من الدول الأعضاء. تأتي هذه المناورات كرد مباشر من الحلف على مناورات «فوستوك 2018» الروسية ـــ الصينية المشتركة التي شارك فيها 300000 من عديد القوات الروسية و3200 من القوات الصينية، والتي لا نظير لها منذ عام 1980، أي عشر سنوات قبل سقوط الاتحاد السوفياتي. يترافق الاعلان عن مناورات «الناتو» مع تصعيد في حدة التصريحات الأميركية، وحتى التهديدات التي أطلقتها سفيرة الولايات المتحدة لدى الحلف وعادت ونفتها لاحقاً، ضد موسكو. تلا هذا التصعيد بيومين اتهامات مشتركة لأربع دول غربية، الولايات المتحدة، وبريطانيا، وهولندا وكندا، ضد روسيا بالمسؤولية عن شنّ أكبر هجمات سيبرانية عليها في الآونة الأخيرة. الموقف المعادي تجاه روسيا العائدة بقوة الى الساحة الدولية ليس مستغرباً من أعضاء حلف نشأ أساساً لمواجهتها في زمن سابق، ومن قبل المؤسسة العسكرية الأميركية التي تنظر إليها باعتبارها القوة الدولية الأكثر قدرة على المستوى العسكري للتصدي لسعي واشنطن المستمر للإخلال بالتوازن الاستراتيجي الدولي. لكن هذا الموقف لا يحظى بالإجماع بين النخب السياسية الأميركية التي يرى قطاع وازن بينها، يضم أنصار مدارس متباينة في السياسة الدولية، أن أولوية الأولويات هي احتواء الصعود الصيني ووقفه، لأنه برأيه التهديد الاستراتيجي الأبرز للريادة الأميركية على الصعيد العالمي في العقد المقبل.


تعددية قطبية «غير متوازنة»
لم يُخف دونالد ترامب نياته تجاه الصين منذ أن كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية، وتندرج الحرب التجارية التي شرع فيها ضد بكين، عبر رفع الرسوم الجمركية على 5745 منتجاً صينياً إلى 10 في المئة حتى الأول من كانون الثاني 2019، ومن بعدها رفع هذه الرسوم الى 25 في المئة، كترجمة عملية لهذه النيات. لكن اللافت هو انضمام رموز بارزة من أوساط النخب السياسية المعارضة لترامب إلى حملة التهويل بالخطر الصيني والدعوة إلى مواجهته باعتباره التحدي الأبرز بالنسبة إلى الولايات المتحدة على الصعيد الدولي في المستقبل القريب. ستيفن والت، أحد أقطاب المدرسة الواقعية في الوسط السياسي والأكاديمي، والناقد المعروف للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، الذي شكّل كتابه مع جون ميرشايمر «اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركي» مرجعاً لفهم هيمنة هذا اللوبي على خيارات واشنطن الاستراتيجية في عهد جورج بوش الابن، انضم إلى مجموعة المهوّلين بالتهديد الصيني المحدق. ففي مقال نشره على موقع دورية «فورين بوليسي»، يرى والت أنه مع حلول عام 2025، سيسود على المستوى العالمي نمط من التعددية القطبية غير المتوازنة، تحتفظ في إطارها الولايات المتحدة بتفوّق نسبي، نظراً إلى امتلاكها رزمة من أوراق القوة التي لا تضاهى في مجالات القدرة الاقتصادية والتطور التكنولوجي النوعي والقدرات العسكرية والديمغرافيا المؤاتية وغياب أي تهديد في الجوار لأمنها الوطني، لكن تنافسها سيكون على أشده مع اللاعب الدولي الذي يليها، وهو الصين. وهو يؤكد أن الفارق في القوة والقدرة سيكون كبيراً بين هذين الطرفين وأطراف دولية أخرى كألمانيا واليابان والهند وروسيا. يستخف والت بفرضية التهديد الروسي لدول الغرب، بما فيه دول أوروبا. عدد سكان الدول الأوروبية مجتمعة 500 مليون نسمة، بينما عدد سكان روسيا 140 مليوناً، وهو مرشح للتراجع. وحجم اقتصاد أوروبا يقدّر بـ17 تريليون دولار، بينما حجم اقتصاد روسيا لا يتجاوز حسب التقديرات السائدة تريليوني دولار. وتنفق الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» ثلاثة الى أربعة أضعاف ما تنفقه روسيا على التسلح سنوياً. التركيز المبالغ فيه على الخطر الروسي، الوهمي بقدر كبير برأيه، يحجب التهديد الفعلي وهو الصين. انطلاقاً من هذه القراءة للمشهد الاستراتيجي الدولي، يتوقع الخبير «الواقعي» أن يتراجع الدور والحضور الأميركيين في القارة العجوز لحساب الاستدارة نحو آسيا والتحدي الصيني. يتمحور هذا التحدي حول قضيتين: سعي الصين المحموم للتفوق في بعض مجالات التكنولوجيا الناشئة، وتحولها الى قطب مرشح للهيمنة على آسيا. وهو يعتقد، وفي الحقيقة يوصي، أن تقوم أميركا بالحد من الوتيرة المتسارعة للتطور التكنولوجي والعلمي الصيني، وأن تعمل على بناء حلف آسيوي يضم الدول المتخوّفة من الهيمنة الصينية، على الرغم من اعترافة بصعوبة هذه المهمة، نظراً إلى العلاقات الاقتصادية المهمة بين هذه الدول والصين والخلافات والتناقضات في ما بينها، على الرغم من مخاوفها المشتركة من صعود الجار القوي. العرض الطويل لمقالة والت ينبع من كونها تعكس تفكير قطاع معتبر من النخبة الأميركية. السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً على «الخبير الواقعي» هو عن كيفية قيام واشنطن بالحد من التطور التكنولوجي الصيني وبأيّ أدوات. هل العقوبات الاقتصادية والحرب التجارية هما من تلك الأدوات ضد دولة قارية ذات إمكانات هائلة تحوّلت في أربعة عقود الى مصنع العالم، حيث تمتلك الشركات الأميركية استثمارات ضخمة؟ هل يخفى على والت أن الصين هي المستثمر الأول في سندات الخزينة الأميركية، وبالتالي أنها قادرة على إلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد الأميركي وبعملته العالمية، الدولار، في حال الدخول في مواجهة حاسمة مع واشنطن؟ سبق لمسؤول صيني أن جزم بأن هذا الاستثمار هو بمثابة سلاح دمار شامل بيد بكين. لا تستطيع أميركا تحقيق الهدفين اللذين يوردهما والت إلا باعتماد استراتيجية احتواء نشطة تستلهم تلك التي اعتمدت ضد الاتحاد السوفياتي عبر محاولة استنزاف الصين بسباق تسلح، والعمل على إثارة النزاعات والانقسامات داخلها و/ أو بؤر التوتر في محيطها المباشر، مع أن مثل هذه الاستراتيجية غير مضمونة النتائج، لأن موازين القوى الدولية تغيّرت، والصين الحالية أقوى وأمنع من الاتحاد السوفياتي السابق.
النخب الأميركية بتياراتها المختلفة، على الرغم من تبايناتها، قلقة من ضمور نفوذ بلادها وصعود المنافسين، وهي تستسهل الدعوة للجوء إلى سياسات الحصار وزعزعة الاستقرار والحرب المنخفضة التوتر لمحاولة الحفاظ على هيمنة لم تعد شروط استمرارها البنيوية قائمة.