إسطنبول | قرّرت محكمة إزمير إخلاء سبيل القس الأميركي أندرو برانسون، بعد أن أسقطت عنه تهمة «الجاسوسية» وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات وشهراً و15 يوماً، مع وقف التنفيذ كونه قضى مدة عامين في السجن. توقع محامو برانسون أن القس الأميركي سيغادر إزمير فوراً على متن طائرة خاصة جاءت من فرانكفورت لتقله إلى بلاده، وهو عاد إلى منزله ليل أمس، وبات بالإمكان له السفر من منتصف الليل بالتوقيت المحلي. وبدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سعيداً بالخبر، في تغريدة له اقتصر فيها على تمني عودة برانسون «سريعاً» إلى الولايات المتحدة. في أوساط المعارضة، وخصوصاً بعد أن تسرّب خبر الاتفاق بين أنقرة وواشنطن على إخلاء سبيل برانسون في جلسة الجمعة، اعتبر قرار المحكمة ضربة قوية لسمعة القضاء التركي الذي أثبتت محكمة إزمير أنه لم يعد مستقلاً، وبات يتلقى التعليمات من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي هدد وتوعد برانسون ثم عاد وأمر بإخلاء سبيله لمنع المزيد من التوتر في العلاقة مع الرئيس ترامب. وعلى رغم تشديد الرئاسة التركية أمس على أن القرار تأكيد لـ«حيادية القضاء التركي»، استعادت الأوساط المعارضة في قراءتها لقضية برانسون قضية الصحافي الألماني دنيز يوجال، الذي أخلي سبيله في 16 شباط فبراير الماضي، بعد اعتقال دام قرابة العام، حيث اتهمه وكيل النيابة في 27 شباط/ فبراير العام الماضي بالعمل على تحريض المواطنين للتمرد ضد الدولة عبر كتاباته كمراسل في تركيا لصحيفة «دي فلت» الألمانية. كان اعتقال يوجال سبباً لفتور وتوتر جدي بين برلين وأنقرة، بعد أن تدخل أردوغان في القضية وقال في 14 نيسان/ أبريل، العام الماضي، إنه «لن يتم إخلاء سبيل يوجال لأنه عميل وإرهابي»، ثم زاد من حدة اتهاماته ليقول: «لدينا الكثير من الأدلة القاطعة والصور والأشرطة التي تثبت تورطه في قضايا خطيرة ضد الدولة التركية، فهو جاسوس وعميل وإرهابي ولن يخلى سبيله طالما أنا في السلطة». يومها، عزت الأوساط السياسية إخلاء سبيل يوجال إلى الضغوط التي تعرضت لها أنقرة من قبل الحكومة الألمانية والمستشارة أنجيلا ميركل، التي هددت تركيا باتخاذ إجراءات شديدة ضدها في حال استمرار اعتقال يوجال.
تطالب أنقرة واشنطن بتسليمها كلاً من غولن وزراب وأتيلا


وكانت قضية برانسون سبباً لتوتر خطير في العلاقات التركية - الأميركية، وعدّ الإعلام الموالي لأردوغان التوتر سبباً للأزمة المالية التي تعاني منها تركيا. وكان الرئيس الأميركي دعا نظيره التركي في تموز/ يوليو الماضي، عبر تغريدة على «تويتر» إلى إخلاء سبيل برانسون، قائلاً: «الأتراك يتهمونه بالتجسس، فإذا كان كذلك فأنا جاسوس أكثر منه»، ثم عاد وهدد تركيا بعد أيام بفرض عقوبات اقتصادية عليها إذا لم تخل سبيل برانسون فوراً. وقال أردوغان، قبل هذه التهديدات، إنه «لن يتم إخلاء سبيل برانسون لأنه متهم بالتجسس والعلاقة مع الإرهاب»، والمقصود به «حزب العمال الكردستاني» وجماعة فتح الله غولن. يذكر أن برانسون يقيم في تركيا منذ 22 عاماً، وتم اعتقاله بعد محاولة الانقلاب بتهمة العلاقة بمجموعة غولن. وكانت المحكمة قررت في 25 تموز/ يوليو الماضي وضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله بسبب وضعه الصحي.
لكن إخلاء سبيل برانسون، وإن مهد له وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، باعتباره في تصريح قبل أيام «خطوة إيجابية»، لم يظهر بعد من المؤشرات ما يدل على أن الأزمة بين البلدين في طريقها إلى حل سريع وشامل. فالخلافات بين أنقرة وواشنطن لا تقتصر على ملف برانسون. إذ تتهم تركيا الولايات المتحدة بإيواء وحماية غولن المتهم بالمسؤولية عن الانقلاب. كما أن السلطات الأميركية اعتقلت في آذار/ مارس 2016، رجل الأعمال التركي الإيراني رضا زراب، المتهم بالمسؤولية عن عمليات تهريب العملات الأجنبية إلى إيران والتجارة معها بمليارات الدولارات. إضافة إلى ذلك، اعتقلت السلطات الأميركية في آذار/ مارس العام الماضي، هاكان أتيلا، نائب مدير عام مصرف «التسليف الشعبي» التركي، أثناء زيارته نيويورك. والمصرف المذكور تورط في التعاملات المصرفية مع إيران، ومن المتوقع أن يتعرض لعقوبات قاسية من الخزانة الأميركية. تطالب السلطات التركية الولايات المتحدة بتسليمها كلاً من غولن وزراب وأتيلا، إلا أن واشنطن ترفض هذه المطالب المتكررة. وهذا فضلاً عن ملفات سياسية خلافية، عناصر تجعل من الاعتقاد بأن إخلاء سبيل برانسون وإن يسهم في تخفيف التوتر، فهو ليس نهاية سريعة للأزمة المعقدة.