إسطنبول | «أطوف معارض شانيل ولويس فيتون في حي نيشانتشي الراقي في إسطنبول، أتسوق منها ولا أدفع سوى 30 في المئة من ما كنت سأدفعه في مدينة سياحية أخرى»، بهذه العبارة استهلت السائحة فاطمة من الكويت حديثها إلى «الأخبار» في إسطنبول. تقول إنها استجابت لتشجيعات صديقتها التي سبقتها إلى تركيا في خضم أزمة اقتصادية تعاني منها البلاد، سقطت على إثرها أسعار الليرة أمام سلة العملات الأجنبية.

منحت الأزمة المالية السياح الأجانب فرصة لا تعوض، من خلال قضاء إجازاتهم في منتجعات بالغة الرفاهية، وبمستوى عال من الخدمات لقاء أسعار زهيدة مقارنة بغيرها من دول سياحية حول العالم. ففي حين إن التراجع في قيمة الليرة لا يعني أن كلفة الإجازة ستنخفض على الفور، فإن السعر الإيجابي يمنح السياح مبلغاً إضافياً بقيمة 290 دولاراً أميركياً مقابل كل 500 دولار بالعملة المحلية التركية. وخسرت الليرة التركية نحو 42 في المئة من قيمتها منذ بداية العام الحالي مقابل الدولار الأميركي، حيث بلغ أعلى سعر صرف لها خلال تداولات هذا العام نحو 0,129 دولار (الدولار يعادل 7,47 ليرة).
وحذا الكثير من السياح الأجانب والعرب حذو فاطمة، إذ تدفق الآلاف منهم نحو المدن المختلفة رغبة منهم في السياحة واقتناص فرص تسوقية لن يحظوا بمثلها في مناطق أخرى. وحث الرئيس رجب طيب أردوغان، المواطنين الأتراك على تقديم كامل ضيافتهم للسياح الذين يجلبون الدولارات (العملات الصعبة) إلى البلاد في ذلك الوقت الحرج. وقال في خطاب له أمام مندوبي غرف التجارة: «الشعب التركي شعب مضياف حقاً، لكن علينا أن نحافظ على ذلك في هذه الأيام ونوسعه كذلك»، وأردف قائلاً: «في الوقت الذي يأخذ البعض أموالاً من الناس بالدولار، فإن هؤلاء السياح يجلبونها (الدولارات) إلينا». وبسبب سقوط الليرة التركية، والذي صوره أردوغان على أنه «مؤامرة خارجية»، فقد دعا الأتراك مراراً وتكراراً إلى تصريف مدخراتهم وتحويلها إلى العملة المحلية لرفع قيمة الليرة.
وقال موظف في متجر ملابس راق، لـ«الأخبار»، إن كمية المتسوقين هذا الموسم كانت غير عادية، لم نشهد مثلها حتى في أفضل المواسم، ناسباً ذلك إلى سقوط الليرة. وقدّر أحد المتسوقين المصريين أنه وفّر ما يقرب من ألف دولار مقابل شراء الهدايا والملابس نفسها في بلد إقامته السعودية. فيما قال خالد الفهد من الكويت: «نأمل أن تصبح العملة بالنسبة لتركيا أفضل»، وأتبعها مازحاً: «وفي الوقت نفسه نأمل من أجل المتسوقين هنا أن تبقى الليرة كما هي». وقال بول أوستيرلوند، وهو صحافي أميركي من ولاية نيو مكسيكو، عمل كمراسل في إسطنبول لمدة خمس سنوات: «في إسطنبول تم افتتاح عدد كبير من المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي التي تلبي حاجات السياح من الشرق الأوسط بشكل خاص»، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار» أنه على رغم أن التجوال السياحي والتسوق غير المكلف في تركيا هما جزء من جاذبية هذا القطاع، فإن «المواقف المريحة في البلاد تجاه المشروبات الكحولية واللباس النسائي تجعله ملاذاً جذاباً بشكل عام، كما أن السياح القادمين بغرض الاستطباب من منطقة الشرق الأوسط - بخاصة أولئك الذين يبحثون عن جراحات زراعة الشعر- يدركون أيضاً أن الأطباء الأتراك يقدمون تلك الجراحات بأسعار جذابة».

خسرت الليرة التركية نحو 42 في المئة من قيمتها منذ بداية العام الحالي


وبحسب خطتها السنوية، فإن وزارة الثقافة والسياحة التركية، تهدف لجذب 36 مليون سائح أجنبي خلال عام 2018، بعائدات تصل إلى 34 مليار دولار. وكان رئيس اتحاد وكالات السياحة التركية «تورساب»، فيروز باغلي قايا، قد توقع أن يكون هذا العام حافلاً بأداء سياحي غير مسبوق في تاريخ البلاد، حيث قال على هامش فعاليات أسبوع السياحة: «نعتقد أن العام الحالي سيكون مهماً جداً بالنسبة للسياحة وسيكون نقطة تحول في ظل التوقعات بقفزة كبيرة في الأعداد والعوائد». وتابع باغلي قايا: «سيسهم هذا من دون شك في تقدم تركيا على التصنيفات العالمية، الخاصة بالقطاع السياحي»، مضيفاً: «البيانات الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة تؤيد صحة تطلعاتنا، إذ تشير إلى زيادة بمعدل 34,91 في المئة في أعداد السياح القادمين إلى تركيا لأول شهرين من العام الحالي». وكان قطاع السياحة في تركيا قد شهد خلال السنوات القليلة المنصرمة فترات صعبة، ففي حين وصل عدد زوارها إلى ذروته في العام 2014 بواقع 41,2 مليون سائح، تراجعت أعداد السياح إلى 25,3 مليون في العام 2016، بعد العديد من الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى محاولة الانقلاب التي تعرضت لها والأزمات المستمرة المؤثرة سلباً على الاستقرار السياسي.
وازداد عدد السياح الأجانب في الفترة ما بين كانون الثاني/ يناير وآب/أغسطس الماضي، بنسبة 22,92 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وازداد عدد السياح الأجانب في آب/ أغسطس الماضي بنسبة 15,56 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، حيث بلغ خمسة ملايين و383 ألفاً و332 سائحاً. جاء ذلك وفقاً لإحصاءات نشرتها وزارة الثقافة والسياحة، في موقعها على شبكة الإنترنت، مضيفة أنه بلغ عدد السياح الأجانب الذين زاروا تركيا خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي 27 مليوناً و23 ألفاً و134 سائحاً. وحلّ الروس في المرتبة الأولى بين السياح الأجانب بنحو مليون سائح، وجاء الألمان في المرتبة الثانية بنحو 900 ألف سائح. وأصبحت تركيا في السنوات القليلة المنصرمة مكاناً مفضلاً للسياح من مناطق الشرق الأوسط، بعد أن كانت المقصد الأبرز للسياح من القارة الأوروبية فقط، حيث وصل نحو 2.5 مليون سائح يتحدث اللغة الفارسية إلى تركيا في العام 2017، بزيادة قدرها 50 في المئة عن العام الذي سبقه، بعد استئناف خدمة القطارات من مدينة تبريز شمال غربي إيران إلى مدينة فان الحدودية التركية بعد توقفها قبل ثلاث سنوات إثر هجوم بالقنابل. وأدت زيادة أعداد الزوار من إيران والكويت والبحرين والسعودية إلى توافر أوسع للأطعمة «الحلال» وقوائم المطاعم باللغتين العربية والفارسية.
وقال وزير السياحة محمد أرسوي: «بفضل الطلب الزائد على السياحة من الدول الأوروبية ورابطة الدول المستقلة، التي تعتبر السوق الرئيسة بالنسبة لنا، نتوقع عوائد تتجاوز 30 مليار دولار بنهاية العام، إذ من المتوقع أن يصل معدل الإنفاق الشخصي للسائح لنحو 750 دولاراً». وأفاد رئيس اتحاد وكالات السياحة بأن معدلات الحجوزات الأولية على برامج السياحة تسير بشكل جيد، خصوصاً من السياح الألمان والروس، موضحاً أن «هناك زيادة بمعدل 60 في المئة في حجوزات السياح من ألمانيا، وزيادة بنحو 30 في المئة بالنسبة للسياح الروس». يذكر أن ولاية أنطاليا (جنوب غربي تركيا) تأتي في مقدمة الوجهات التي تشهد حجوزات أولية من سياح الدول الأوروبية، تليها منطقة إيجه غرب البلاد.



سيطرنا على تقلّبات العملة
أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن أنقرة تمكنت من «السيطرة» على التقلبات في سعر العملة المحلية. وطمأن إردوغان، في تصريحات أدلى بها أول من أمس، في فعالية لـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم، بأن الحكومة سيطرت «على التقلبات في سعر الليرة خلال فترة وجيزة»، عازياً فضل ذلك إلى «ما اتخذناه من تدابير وإجراءات». ورأى أن «أولوية تركيا» في الوقت الراهن هي «الصعود مجدداً بمعدلات الإنتاج والتصدير والتوظيف». وسجلت الليرة التركية تحسناً ملحوظاً، ولا سيما مع قرار القضاء التركي الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون، الذي تسبب احتجازه بالخلاف مع الولايات المتحدة، وفرض الأخيرة عقوبات على تركيا، نجم عنها تراجع قياسي في سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية. وتحسن سعر صرف الليرة إلى ما يقرب 5,55 ليرات مقابل الدولار، بعدما كان قد تعرض لتقلبات بلغ أسوأها 7,47 ليرات.
(الأناضول)