بعد التصعيد الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ما يخص انسحابه من معاهدة «الأسلحة النووية متوسطة المدى» الموقعة مع روسيا (الاتحاد السوفياتي) منذ ثلاثة عقود، مهدداً بتعزيز ترسانته النووية لمواجهة نشر موسكو منظومة صاروخية جديدة بعيدة المدى، أعلنت الدول الأعضاء في حلف «شمال الأطلسي» رفضها انتشار أسلحة نووية جديدة في أوروبا للرد على تهديدات روسيا. وأشار الأمين العام لـ«الناتو» ينس ستولتنبرغ، أمس، إلى أنه من المقرر أن تجتمع الدول الأعضاء الـ23 غداً في بروكسيل لمناقشة عواقب التحدي بين موسكو وواشنطن. ويرى الحلفاء الأوروبيون أن المعاهدة تمثّل أساس الحدّ من التسلح. وبينما يوافقون على أن موسكو تنتهك المعاهدة بتطوير أسلحة جديدة، يشعرون بالقلق من أن انهيارها يمكن أن يؤدي إلى سباق تسلح جديد يكون من شأنه نشر جيل جديد من الصواريخ النووية الأميركية في القارة. وقد أشار ستولتنبرغ إلى أن تطوير الصاروخ الروسي «أس. أس. سي ــ 8»، وهو صاروخ «كروز» متوسط المدى ينشر على الأرض ويسمى أيضاً «نوفيتور 9 أم 729» يعد انتهاكاً للمعاهدة، لكنه قال إنه «لا يعتقد أن ذلك سيؤدي في المقابل إلى نشر صواريخ أميركية في أوروبا كما حدث في الثمانينات». وشدّد في لقاء مع صحافيين عُقد أمس، على أن أوروبا «لا تريد خوض حرب باردة جديدة ولا تريد سباق تسلح»، مضيفاً أنه «لا أعتقد أن الدول الأعضاء ستوافق على نشر المزيد من الأسلحة النووية في أوروبا للرد على النظام الصاروخي الروسي الجديد». وأقرّ بأن قرار ترامب «لم يحظَ بموافقة جميع الدول»، لافتاً إلى أن دول الاتحاد الأوروبي طلبت «الحفاظ على هذه المعاهدة الضرورية للأمن»، مضيفاً: «ممثلو (الدول الأعضاء) سيجتمعون لمناقشة عواقب نشر المنظومة الصاروخية الروسية الجديدة على أمننا». وأعلن الأمين العام للحلف أن المحادثات جارية مع موسكو للاتفاق على اجتماع يجمع بين دول الحلف وروسيا.

بالتزامن، تبدأ الدول الأعضاء في «الأطلسي»، اليوم، أكبر مناورات عسكرية منذ نهاية الحرب الباردة، وتهدف هذه التدريبات التي تحمل اسم «ترايدنت جانكتشر 2018» إلى إظهار قدرات الحلف الدفاعية. وقد وصف ستولتنبرغ المناورات على أنها «رسالة واضحة موجهة لجميع المعتدين». وستشكل هذه أكبر حركة من نوعها لعسكريين وآليات للحلف منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. وقد وصفت وسائل إعلام غربية هذه المناورات بأنها «مناورات الحرب العالمية الثالثة»، إذ تأتي وسط توتر متصاعد بين واشنطن وموسكو على خلفية اتهامات متبادلة بانتهاك المعاهدة النووية. ويشارك في المناورات 50 ألف جندي، و150 طائرة و60 سفينة حربية و10 آلاف مركبة عسكرية، وستجري المناورات في النرويج. وتمت دعوة اثنين من المراقبين العسكريين الروسيين واثنين من بيلاروسيا لمشاهدة المناورات. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن الرائد البريطاني ستيوارت لافيري، قوله إن المناورات «توضح لحلفائنا في حلف الأطلسي أننا مستعدون للتحرك عبر أوروبا عند الحاجة وتظهر قدرتنا على القيام بذلك».
وقبل انطلاق التدريبات، نشر موقع «الناتو» بانتظام بيانات عن توافد القوات المشاركة إلى النرويج، فقال إن «دبابات ألمانية ومركبات بريطانية وصلت البلد الواقع شمال أوروبا»، في إشارة على ما يبدو إلى إظهار ضخامة الحدث المرتقب، واستعراض القوة أمام روسيا. كما وأعلنت الولايات المتحدة، مشاركة حاملة الطائرات العملاقة «هاري ترومان» في المناورات، الأمر الذي يعكس رغبة واشنطن في رفع حجم المناورات إلى أقصى حد، خصوصاً أنها زادت عدد المشاركين في المناورات بستة آلاف عسكري، وفق موقع «ديفينس نيوز» المتخصص في الشؤون الدفاعية. وتعد مشاركة الحاملة العملاقة خطوة أميركية واضحة تسعى للوصول إلى الهدف النهائي، وهو أعلى درجات الاستعداد للرد على أي عدوان في غضون مهلة قصيرة. وكانت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، قد أعلنت في وقتٍ سابق أن «دول الناتو الرئيسية تزيد من وجودها العسكري بالقرب من حدود روسيا»، موضحة أن «هذه الأعمال غير المسؤولة لا بد أن تؤدي إلى زعزعة استقرار الوضع السياسي وزيادة التوتر». الجدير ذكره أن الشهر الماضي شهد أضخم مناورة عسكرية منذ الحرب الباردة تنظمها روسيا، شاركت فيها الصين، تحت مسمّى «فوستوك 2018».