في وسط قاعة المؤتمرات في مانهاتن، تحدّث وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أمام مجموعة صغيرة من المسؤولين التنفيذيين الأميركيين البارزين، عن تعرّض الصين مراراً وتكراراً للخيانة من قبل الولايات المتحدة.

العام الماضي، ظنّت الصين أنها توصلت إلى اتفاقية تجارية مع وزير التجارة الأميركي ويلبر روس، ليتضح عقب ذلك أنها ستُواجه بفيتو من الرئيس دونالد ترامب. وفي شهر أيار/ مايو، عقدت الصين صفقة ثانية مع وزير الخزانة ستيفن منوشين، سرعان ما عارضها ترامب عبر موقع «تويتر». وفي أيلول/ سبتمبر، في وقت كانت تستعد الصين فيه لجولة جديدة من المشاورات، أمر الرئيس الأميركي بفرض تعريفات جمركية جديدة على المنتجات الصينية.
«يبدو أنهم لا يريدون الحوار»، قال وانغ خلال الجلسة الخاصة في أواخر أيلول، مضيفاً: «لا نعرف إذا كانت المشكلة تكمن في سوء التنسيق فيما بينهم، أو أنهم يتفاوضون بسوء نية».
يشكّل انهيار خطوط الاتصال انعكاساً للأزمة بين بلدين، كلاهما في خضم تغيرات داخلية عميقة، يكافحان من أجل حل نزاع لديه بالفعل انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي، ومن المحتمل أن يتفاقم بسرعة. وعلى الرغم من تأكيد ترامب أكثر من مرة نيته إحداث ثورة في سياسة الولايات المتحدة التجارية، إلا أن بكين لم تفهم على الفور تداعيات وصول ترامب إلى الرئاسة، ولم تعترف، لوقت طويل بأن قنوات الاتصال التقليدية التي تجمعها بواشنطن، لم تعد تمثل المواقف المدمرة لزعيم البيت الأبيض.
«إنهم عالقون في الماضي»، يقول دينيس وايلدر، وهو محلل سابق مختص في الشأن الصيني في وكالة الاستخبارات المركزية، معتبراً أن المسؤولين الصينيين «لم ينتبهوا للتغييرات الكبيرة التي لحقت بالنظام السياسي الأميركي».
(...)
«تشعر الصين باستمرار أنها تتعرض للخيانة من قبل ترامب. أعتقد أن العديد من الدول التي تربطها علاقات تجارية مع واشنطن لديها الشعور ذاته». ويلفت الأستاذ في جامعة رنمين في بكين، وانغ ون، الذي يقدم الخدمات الاستشارية للقيادة الصينية، مؤكداً «إذا كان ترامب يريد حقاً الخوض في صراع، فإننا لا نخاف من أي صراع محتمل مع الولايات المتحدة. هاجسنا الحقيقي هو عدم وجود قنوات اتصال مع الولايات المتحدة».
(...)
وسط سلسلة من الهجمات الأميركية على التجارة الصينية (من توقيفات وتعريفات وغيرها)، تحاول الصين إيجاد مفاوض أميركي حقيقي. وفق وايلدر، رأت بكين، في البداية، في روس البالغ من العمر 80 عاماً، الشخص الأمثل لقيادة المفاوضات، غالباً بسبب تقدمه في السن، وهو أمر كان له صدى لدى المسؤولين الذين هم أنفسهم جزء من نظام يعطي أولوية للأقدمية. ولكن سرعان ما أثبت روس أنه غير قادر على الضغط على الرئيس للموافقة على الاتفاقيات التي يتوصل إليها مع الجانب الصيني، سواء اتفاقية العام الماضي أو تلك التي تم التوصل إليها في وقت سابق من العام الجاري، حين قام ترامب في المقابل بفرض عقوبات على شركة الاتصالات الصينية العملاقة «زد. تي. إي.».
منوشين، في المقابل، لم يحقق نتائج أفضل بكثير، كما أن الصينيين يشككون في مصداقيته. أما المتشددون في الإدارة الأميركية، مثل ممثل التجارة الأميركية روبرت لايتزر، وبيتر نافارو كبير مستشاري التجارة للرئيس الأميركي، ومؤلف كتاب «الموت من الصين» وكتاب «حروب الصين القادمة»، فتنظر الصين إليهم كأعداء لا مفاوضين.
وفي سعيهم لفهم نيات الرئيس الأميركي، لجأ الصينيون إلى قنوات تقليدية وغير تقليدية، فتواصلوا مع أشخاص في مراكز الأبحاث في واشنطن، ومسؤولين سابقين في مجلس الوزراء، مثل هنري بولسون وهنري كيسنجر، ورجال أعمال بارزين، من بينهم الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة مجموعة «بلاكستون» للاستشارات المالية ستيفن شوارزمان، الذي كان حاضراً في الجلسة الخاصة مع وزير الخارجية الصيني مؤخراً. كذلك حاولوا فهم عقلية الرئيس من خلال التنصت على شخصيات مقرّبة منه، مثل المسؤول المالي السابق في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري ستيف وين، وكبير مستشاري الرئيس للشؤون الاستراتيجية سابقاً ستيفن بانون، الذي عقد لقاءً خاصاً مع نائب الرئيس الصيني، وانج تشى شان، عقب تحذيره من «حرب اقتصادية» مع الصين أثناء عمله مع ترامب.
(...)
وفي حين يشدد الجانب الأميركي على أن مطالبه واضحة (أن تتوقف الصين عن إجبار الشركات الأميركية على تسليم التكنولوجيا الخاصة بها قبل دخول السوق الصيني)، يؤكد عدد كبير من المحللين أن الرسالة في الواقع وصلت مشوّشة. تطالب الإدارة الأميركية الصين بالحد من دورها في الاقتصاد، ولكنها في الوقت ذاته تدعو بكين إلى إجبار الشركات الصينية على شراء السلع الأميركية بشكل متزايد.
أحدثت استراتيجية ترامب صدمة بالنسبة إلى بكين. اعتاد المسؤولون الصينيون التعامل مع رؤساء أميركيين كانوا يخوضون معارك شرسة ضد الصين خلال حملاتهم الانتخابية، ومن ثمّ يجلسون إلى طاولة الحوار عقب تنصيبهم. على سبيل المثال، وصف بيل كلينتون قادة الحزب الشيوعي بـ«الجزارين»، في أعقاب تظاهرات ساحة «تيان ان من» عام 1989، ولكنه ضم الصين إلى منظمة التجارة العالمية بعد ذلك.
توقعت بكين سيناريو مماثل بعد انتخاب ترامب، الذي بدل التفاوض فرض العقوبات، من خلال تعريفات جمركية على واردات الصلب والألمنيوم، وكذلك على شحناتها من المنتجات الصناعية والسلع الاستهلاكية (مرتين). وخلال الشهرين الماضيين، أكّد ترامب مراراً وتكراراً أنه «ليس الوقت المناسب» لعقد صفقة مع الصين، وانتقد الرئيس الصيني علناً، الأمر الذي أحدث إرباكاً بين المسؤولين الصينيين الذين اعتادوا سياسة أميركية أكثر دبلوماسية.
«إنه نهج للتفاوض مختلف»، يشير وايلدر، الذي كان يشغل منصب كبير مستشاري الرئيس جورج بوش في الصين قبل أن يصبح نائب مساعد مدير وكالة الاستخبارات المركزية في شرق آسيا والمحيط الهادئ، مضيفاً «لم يرَ الجانب الصيني تصرفات مشابهة من الجانب الأميركي قبل وصول ترامب».
في آب الماضي، قال محللون صينيون وأميركيون إن فو يينغ، وهي واحدة من بين أكثر الدبلوماسيين خبرة في الصين، سافرت إلى واشنطن لإجراء محادثات مع بعض المسؤولين الأميركيين، لكنها فوجئت بقرار البيت الأبيض سحب وفده من الاجتماع.
«تستخدم الحكومة الصينية قواعد اللعبة القديمة. لم يفهموا بعد التغييرات التي طرأت على السياسة الأميركية»، يقول أحد المسؤولين في مجلس الأمن القومي، مضيفاً «هم إما غير قادرين أو غير راغبين في استخدام قواعد جديدة للعب تتناسب مع الظروف الراهنة».
«بدأ الصينيون بالاقتناع بأن الولايات المتحدة هي عدو ويجب معاملتها على هذا الأساس»، يؤكد تشارلز فريمان جونيور، وهو دبلوماسي أميركي سابق، كان مترجم الرئيس ريتشارد نيكسون خلال رحلته إلى الصين عام 1972، «لقد تحول الإحباط إلى سخط. ما نشهده اليوم هو زلزال جيوسياسي ستكون تداعياته هائلة».
(عن «واشنطن بوست» الأميركية)