أُعلن الموت السياسي لأنجيلا ميركل مرّات عدة منذ انتخابات العام الماضي، حين حصد «الحزب المسيحي الديموقراطي» 33٪ من الأصوات فقط، مهدداً مستقبل المستشارة في الحكم. منذ ذلك الحين، تواصَل سقوط التأييد الشعبي لحزب ميركل، وحزبه الشقيق «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» بولاية بافاريا، الذي سجّل أسوأ نتيجة له منذ 1950 في الانتخابات الماضية. اليوم، إذا سارت انتخابات ولاية هيس كما هو متوقع، فستكون «ضربة قاضية» للمستشارة الألمانية.

استطاعت ميركل أن تتربع على عرش الحكم طوال هذه المدة لأنها غالباً ما كانت تسبق منافسيها بأشواط. منذ توليها منصب المستشارة عام 2005، برزت ميركل، التي بدأت ولايتها الرابعة هذا العام، بصفتها الزعيمة الفعلية لأوروبا. تمسكها بمبادئ سياسية واضحة جسدتها سياسة الباب المفتوح وموقفها الشجاع في ملف الهجرة، واستعدادها الوقوف في وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب امتلاكها إحساساً براغماتياً «لما هو ممكن»، وجميعها صفات عززت ظهورها كأبرز شخصية سياسية في أوروبا.
وفي حين ساهم نظام الأحزاب الألماني، بطبيعته التعددية، في إبقاء ميركل في السلطة طوال هذه الفترة، فإنه قد يكون السبب في سقوطها. إذ سجّل شريك المستشارة الرئيسي في الائتلاف، «الحزب الديموقراطي الاشتراكي» الألماني أسوأ نتيجة له عقب الحرب، في انتخابات العام الماضي، في حين سجّل «حزب الخضر»، «الديموقراطيون الأحرار»، «دي لينك» (يسار)، وحزب «البديل من أجل ألمانيا» (يمين متطرف)، نتائج مهمة في الانتخابات أثبتت تصاعد نفوذهم على الأرض.
ومع فتح صناديق الاقتراع في ولاية هيسن (الأحد)، قد يواجه «الحزب الديموقراطي الاشتراكي» المصير نفسه، وقد يكون في النتيجة مُجبراً على الانسحاب من الائتلاف الحاكم. وحذّرت أنغريت كرامب كارينباور، وهي الأمين العام لـ«الديموقراطي المسيحي»، ويُقال أنها الأوفر حظاً لخلافة ميركل، الأسبوع الماضي، من انسحاب «الديموقراطي الاشتراكي»، مؤكدة أن ذلك سيؤدي إلى انتخابات عامة. هذه الانتخابات قد تكون النهاية لميركل، فالاستطلاعات تشير إلى حصول «المسيحي الديموقراطي» على 26-27% من التأييد الشعبي فقط.
نهاية حقبة ميركل ستكون لها تداعيات خطيرة على أوروبا وتماسك الاتحاد، لا سيما مع وصول التقسيم والاستقطاب السياسيين إلى مستويات غير مسبوقة. فإلى جانب ألمانيا، هناك قوتان إقليميتان في أوروبا. الأولى هي بريطانيا، الحليف التقليدي لبرلين، التي تحولت إلى عبء على القارة، وهي منشغلة اليوم بإيجاد صيغة مناسبة للخروج من الاتحاد. أما الثانية، وهي فرنسا، فخفت أيضاً نجم رئيسها إيمانويل ماكرون، بعد 18 شهراً فقط من فوزه الساحق في الانتخابات. إصلاحات ماكرون الاقتصادية، خصوصاً تلك المتعلقة بسوق العمل، لم تؤد إلى النتائج الموعودة: ارتفاع البطالة مرة أخرى لتصل إلى نحو 10%، وانخفاض النمو الاقتصادي. يضاف إلى ذلك الاستقالات التي ضربت حكومة ماكرون، وفشل تعامله في فضيحة «الإليزيه»، وغروره المتزايد... شكلت جميعها عوامل أدّت إلى وصول معدلات قبوله الشخصية إلى أقل من 30%.
أما على المسرح الدولي، فتحوّل الرئيس الفرنسي إلى قائد يقسّم ولا يجمع، خلافاً لميركل. فبعد أن نصّب نفسه بطلاً لأوروبا عبر وقوفه ضد القوى الشعبوية المتصاعدة، أعلن الحرب على الزعيم الوطني المجري فيكتور أوربان، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي اليميني المتطرف ماتيو سالفيني. «إذا كانوا يرونني خصماً رئيسياً لهم، فهم على حق»، يؤكد ماكرون، مضيفاً: «لن أتنازل أمام القوميين ولغة الكراهية».
يرى المحلل السياسي روبرت زارتسكي أن محاولة ماكرون فرض معادلة الأسود والأبيض ستؤدي إلى مزيد من الانقسام والاستقطاب، في وقت يتفكك النظام السياسي المعمول به في أوروبا؛ «إن الإصرار على تقسيم أوروبا بين معسكرين، مع وضد الليبرالية، يلغي واقع وجود مجموعة من البدائل خارج الأقطاب الأيديولوجية التي يحددها الرئيس الفرنسي»، يكتب زارتسكي، منبهاً إلى قول الاشتراكي الفرنسي بيير موسكوفيتشي: «ليس كل المؤيدين لأوروبا لديهم الأفكار نفسها».
وفي الوقت الذي يخفت نجم ميركل، يسعى ماكرون إلى استغلال الانتخابات البرلمانية الأوروبية، التي ستعقد في أيار/ مايو المقبل، لتنصيب نفسه كزعيم أوروبا وإحياء مكانته في الداخل الفرنسي. هذه الرغبة يشاركه فيها سالفيني، الذي يرى، ومعه مارين لوبان في فرنسا، في الانتخابات، فرصة حاسمة لتغيير توجه الاتحاد مستقبلاً.
(عن «ذي غارديان» البريطانية)