بهدوئها المعهود، تخلّت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل (64 عاماً)، عن فكرة الترشح لولايةٍ خامسة في عام 2021، لتصبح الساحة الألمانية والأوروبية مفتوحة على احتمالات سياسية عديدة و «فراغ» في قيادة القرار الأوروبي السياسي كما الاقتصادي.

قرار ميركل الأخير جاء، أمس، بعدما تخلّت أيضاً عن رئاسة «الاتحاد المسيحي الديموقراطي»، وذلك بعد عام صعبٍ فرض عليها أن تتقبّل أخيراً أنها لا يمكن أن تبقى مستشارةً إلى الأبد. التحدّيات التي واجهتها ميركل في العام الأخير، خليطٌ بين أزماتِ أوروبا والداخل، تبدأ بتغيّر في المزاج العام لدى الرأي العام الغربي، وهو ما وصّفته الصحافة الغربية غالباً بأنه «نهاية الأحزاب التقليدية في أوروبا»، تمثّلت في ألمانيا في الإخفاق الدراماتيكي للحزب الاشتراكي الديموقراطي في انتخابات العام الماضي، ولا تنتهي بأزمةٍ سياسية داخلية وانقسام داخلي حقيقيين.

أوروبا: ما العملُ الآن؟
قرارُ المستشارة مربكٌ من دون شكّ: مربكٌ للأحزاب الألمانية التي ستخلو لها الساحة السياسة الآن، لملء الفراغ الذي ستتركه «عرّابة أوروبا»، كما تصفها غيرترود هوهلر في كتاب سيرتها الذاتيّة عام 2012، ومربكٌ لمؤسسات أوروبا التي سيطر عليها رأي المستشارة في العقد الأخير على الأقلّ.
القرارُ مربكٌ، ولكن ليس مفاجئاً، إذا ما أردنا قياسه بطباع ميركل الهادئة وطريقتها الحكيمة بالتعامل الأزمات. مسيرتها السياسية بدأت بعد انهيار جدار برلين عام 1989، ليبدأ صعود ميركل التي نشأت في ألمانيا الشرقية منذ دخولها إلى حزب «الاتحاد الديموقراطي المسيحي» في ذلك العام.
في عام 2005، أصبحت أوّل امرأةٍ تتسلم منصب المستشارية في ألمانيا، لتقود منذ ذلك الحين «القارب الأوروبي» في عديد من الأزمات، وفق ما تشرح الباحثة جودي ديمبسي، في «كارنيغي»: «من الأزمة المالية العالمية عام 2008، وصولاً إلى الانهيار الوشيك لمنطقة اليورو...»، بفرض سياسة التقشف الجدلية. «أنقذت» ميركل المركب الأوروبي من الغرق، لكنها لم تغيّر وجهته، وفق ديمبسي. حماسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، العام الماضي، في حديثه عن تغيير الوجهة الأوروبية وإصلاح منطقة اليورو، قوبلت بالصمت من ميركل. المستشارة كانت ترى الصورةَ كاملةً وبطريقة تقنية أكثر من الرئيس الفرنسي: لن تقبل الدول الصغرى في الاتحاد بقيادةٍ فرنسية ــــ ألمانية له، وهي الفرضية التي طُرحت بعيد «بريكست».
في «أزمةِ» اللاجئين، أيضاً، إنها ميركل التي أدرات الدفة. وعند انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، اكتسبت ميركل لقباً جديداً، «قائدة العالم الحرّ»، ليكون الصراع الغربي ــــ الغربي صراع «قيم الاتحاد الأوروبي» بمواجهة عشوائية ترامب، تحدياً إضافياً لها.
فرضت ميركل، بذلك، رؤيتها الخاصة على الواقع الأوروبي، احتضنت أوروبا، لتصبح برلين الوجه الثاني لبروكسل، مركز صناعة القرار الأوروبي، وإن لم يتفق معها الجميع، لكنها في كثير من الأحيان كانت صاحبة الكلمةِ الأخيرة في حلّ العديد من أزمات الاتحاد. وبهذا، كانت إخفاقات ميركل هي إخفاقات بروكسل أيضاً، وهنا الحديث عن أزمةِ اللاجئين، وفشل برلين وبروكسل في إقناع أعضاء الاتحاد بسياسة تقاسم الحصص.
بالنتيجة، وفي هذا الوقتِ الحساس، إضعاف ميركل ورحيلها يقلقان بروكسل. ترؤّس ميركل لحكومة مقسّمة مؤلفة من أخصامٍ سياسيين، جعل ألمانيا غير قادرة، على مدى الأشهر الماضية، على حسم أي قرارٍ يرتبط بأوروبا، مثل القانون المتعلّق بخفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون من الآليات. وذاك جزءٌ بسيط من قراراتٍ مهمة تواجه الأوروبيين في المستقبل القريب، والشخص الذي سيخلف ميركل، عليه التعامل مع إرثها؛ فالمستشارة حوّلت برلين إلى مركز أوروبا، إلى الصوتِ الذي يلتفت إليه جميع الحلفاء لمعرفة الخطوةِ التالية التي يجب اتخاذها. ووفق مدير الدراسات في «مركز السياسة الأوروبي»، يانيس إيمانويليديس، فإنّ إضعاف ميركل التدريجي يعقّد الأمور أمام الأوروبيين الذين ينتظرون انتخاباتٍ أوروبية في عام 2019. وحتى الآن، ما زال الجدل قائماً بشأن سياسة الهجرة والتغييرات في منطقة اليورو، وهي كلُّها قرارات تنتظر الحسم.

بدأت مسيرة ميركل السياسية بعد انهيار جدار برلين عام 1989(أ ف ب )

«نقطة تحوّل»: خليفة ميركل
قرار المستشارة صفعةٌ للسياسة الألمانية، ليس لأنه لم يكن في الحسبان، بل لأن ألمانيا وللمرّة الأولى منذ إطاحة ميركل عام 1999 سلفها هلموت كول، لم تعد واحة الاستقرار السياسي في أوروبا، وتستعد الآن، بعد رحيل المستشارة، لمنافسة سياسية، على المستوى الوطني، قد تقصّر حياة الائتلاف مع تهديد «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» بمغادرته.
إضعاف المستشارة بدأ مع أزمة المهاجرين، إذ كانت تلك الأزمة بمثابة المحفّز الأساسي لتصعيد الأزمات الداخلية في أكبر اقتصاد أوروبي. شكّل قدوم اللاجئين إلى ألمانيا، في عام 2015، فرصة استقطاب ذهبيّة لليمين المتطرّف الممثّل بـ«حزب البديل لألمانيا»، الذي وإن لم يكن أكبر أحزاب البلاد، لكنه اقتطع من نصيبها الانتخابي والشعبي بصعوده في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. الطعنة الكبرى كانت من حليفها البافاري، «الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، الذي تأثّر بصعود اليمين المتطرف وتحوّل نحو سياسات أكثر محافظةً، أثّرت على وحدة الائتلاف الحكومي وعلى صورة الحكومة الداخلية والخارجية.
وانعكست الأزمة بسلسلةٍ من الهزائم الانتخابية، آخرها في مقاطعة هسن، أول من أمس، حقّق فيها اليمين المتطرّف نسبة 12 في المئة من الأصوات، مع خسارة «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» 10 في المئة من أصواته. بهذا أصبح «البديل لألمانيا»، الذي أسس عام 2013، يملك مقاعد برلمانية في جميع المقاطعات الألمانية، عدا عن كونه أكبر أحزاب المعارضة في البوندستاغ.
يمكن التحديد، أيضاً، أنّ الصعوبات الحقيقية أمام ميركل، قد بدأت قبل عامٍ ونيّف، حينما أفرزت انتخابات 24 أيلول 2017 برلماناً مقسّماً، وائتلافاً حكومياً هجيناً، فيه خليط من الأحزاب الألمانية التي تختلف في رؤيتها لعددٍ من القضايا الداخلية والأوروبية.
في ظلّ هذه التحوّلات، أُجبرت ميركل على اتخاذ القرار الصعب الذي قد يتيح لعناصر سياسيين آخرين في البلاد انتهاز فرصتهم وإعادة صناعة السياسة الألمانية. وهذا ما حاولت قوله في خطابِ إعلان النهاية، بتأكيدها أن الانتكاسات الانتخابية مثلما حدث في مقاطعة هسن، كانت «نقطة تحوّل، لكنها قد تقدّم فرصةً» بالنسبة إلى الأحزاب السياسية الأخرى لإيجاد طريق للمضي قدماً. ورغم الانتكاسات، لا يزال حزب ميركل الأكثر قوّةً في البلاد، ومصير رئاسته سيحدّد إلى حدّ كبير مصير ألمانيا.
في «خطاب التنحّي»، أكّدت أنها لن تختار خلفاً لها لرئاسة الحزب (وهو من سيكون مستشار ألمانيا المقبل على الأغلب)، لكن السباق على منصب رئاسة الحزب قد بدأ أصلاً.
حتى الآن، يمكن الحديث عن مرشّحَين على الأقل، يملكان الحظّ الأوفر في أن يكونا بديلاً لميركل. أكثر المحظوظين في هذا السباق الذي لم تشهد ألمانيا مثيلاً له منذ سنوات:
أنغريت كرامب ــ كارينباور (56 عاماً)، الحاكمة السابقة لمقاطعة سارلند، والتي تتشابه مواقفها وأسلوبها السياسي مع ميركل. توصف كرامب ــ كارينباور بأنّها «ميني ميركل» في الصحافة الألمانية، وهي كاثوليكية محافظة، تعارض زواج المثليين، لكنها من مناصري رفع الحد الأدنى للأجور وحقوق العمال.
المنافس الثاني هو فردريك ميرتز (62 عاماً)، وهو أيضاً من الأعضاء المحافظين في «الاتحاد المسيحي الديموقراطي». ميرتز صاحب نظرية «ليت كولتور» أو «الثقافة القائدة»، التي تقوم على دعوة المسلمين إلى التأقلم مع القيم والعادات الألمانية. كذلك، هو من «رجال» الحزب الحاكم الذين نجحت ميركل في إبعادهم، واضطروا إلى مشاهدتها، على مدى 15 عاماً، تنجح مرةً تلو الأخرى في هزمهم، كما فعلت معه عام 2002، بنجاحها في ترؤس «الاتحاد المسيحي الديموقراطي»، ومن ثمّ البلاد.
مصير البلاد شبه مجهولٍ، وربما كذلك مصير ميركل السياسي، إذ يجري الحديث حالياً عن احتمال تسلّمها منصباً أوروبياً، كرئيسة المفوضية الأوروبية مثلاً، غير أن المستشارة استبعدت ذلك في وقتٍ سابق.