يشكّل تراجع عدد رجال الأعمال والسائحين والطلاب الصينيين الذين يتوافدون إلى الولايات المتحدة، دليلاً على إمكانية تحوّل الأزمة التجارية بين بكين وواشنطن إلى حرب غير متوقعة ومكلفة بالنسبة للأخيرة. وفي حين أن هذا التراجع ليس بفعل قرار رسمي من بكين، إلا أنه يسلط الضوء على سلاح فتّاك تستطيع الصين استخدامه في حربها التجارية: خسارة الاقتصاد الأميركي لـ60 مليار دولار ينفقها المستهلكون الصينيون على الخدمات الأميركية كالسفر والسياحة والتعليم، كل عام.

تشير أرقام وزارة الخارجية الأميركية إلى تراجع عدد الصينيين الذين حصلوا على تأشيرات عمل، سياحة أو تعليم، بين أيار/ مايو وأيلول/ سبتمبر من العام الجاري، بنسبة 13% (102 ألف شخص) مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. كذلك سجلت حجوزات شركات الطيران الصينية إلى الولايات المتحدة انخفاضاً بنسبة 42% في الأسبوع الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وفق شركة «سكاي سكانر»، التي قالت إنها غالباً ما كانت تشهد ارتفاعاً في الحجوزات خلال فترة العطلة الوطنية (بين 1-7 تشرين الأول للاحتفال بتأسيس جمهورية الصين الشعبية).
ففي الوقت الذي يقول الرئيس دونالد ترامب إن الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة يميل لمصلحة بكين، تحقق واشنطن أرباحاً ضخمة في قطاع الخدمات، الذي سيشكّل انسحاب الصين منه ضربة قوية للاقتصاد الأميركي. فمنذ عام 2011، سجل قطاع الخدمات مع الصين نمواً أكثر بثلاثة أضعاف من النمو في تجارة السلع، التي يصر ترامب التركيز عليها.
إذا قررت الصين استخدام ورقة الرحلات التجارية، فلن تكون المرة الأولى. لقد فعلت الصين ذلك من قبل، خلال نزاعها الدبلوماسي مع كوريا الجنوبية العام الماضي، حين حظرت الحكومة الصينية الرحلات السياحية إلى سيول وجزيرة جيجو. حينها، كلفت المقاطعة الصينية الشركات الكورية الجنوبية خسائر بقيمة 7 مليارات دولار في غضون بضعة أشهر فقط. في الواقع، إن حظر بكين مواطنيها من السفر إلى الولايات المتحدة سيحرم شركات السياحة الأميركية من أهم زبائنها، الصينيين، الذين ينفقون ما معدله 6900 دولار خلال كل رحلة، كما أنه سيؤثر في الجامعات في البلاد، التي شهدت زيادة في عدد الطلاب الصينيين. وكانت الصين قد أرسلت، العام الماضي فقط، أكثر من 350 ألف طالب جامعي إلى الولايات المتحدة، أي ضعف عدد الطلاب الذين أرسلتهم الهند، المصدر الثاني للطلاب الأجانب في البلاد.
(...)
«مع تصاعد الحرب التجارية، نتوقع أن تنتقل إلى قنوات ضغط أخرى غير السلع، مثل قطاع السياحة والخدمات»، تؤكد الباحثة في «معهد بولسون» في شيكاغو، جوي دانتغ ما، مضيفة أن «التداعيات تختلف من قطاع إلى آخر. عندما ينخفض الطلب على السلع فإننا لا نلتمس تداعيات ذلك على الفور، ولكن عندما ينخفض الطلب على الخدمات، نرى انخفاضاً في الأرقام مباشرةً».
وتحتل السياحة الحيّز الأكبر من الخدمات الأميركية التي تطلبها الصين، إذ حققت شركات الطيران الأميركية والفنادق، العام الماضي فقط، أرباحاً بقيمة 32 مليار دولار بفضل السائحين الصينيين. ويشكّل هذا الرقم ضعف الأرباح التي تحققها الصين بفضل السائحين الأميركيين، وفق وزارة التجارة.
(...)
في السنوات الماضية، ارتفع عدد الصينيين الذين يسافرون إلى الخارج. في العام 2016، وصل أكثر من 3 ملايين سائح صيني إلى الولايات المتحدة، بعد أن كان الرقم 525,000 فقط في عام 2009، وفق وزارة التجارة.
خطورة الحظر الصيني ظهر في تموز/ يوليو الماضي، حين حذّرت السفارة الصينية في واشنطن مواطنيها من أن السفر إلى الولايات المتحدة ينطوي على أخطار عدة، من بينها «فواتير طبية مرتفعة، تفشي السلاح وجرائم الشوارع»، منبهة من أن «الوضع الأمني في الولايات المتحدة ليس جيداً». عقب هذه التحذيرات، احتلت الولايات المتحدة المرتبة التاسعة على قائمة الوجهات الأكثر شعبية للسائحين الصينيين، بعد أن كانت في المرتبة السادسة العام الماضي.
أما في لوس أنجلوس، الوجهة السياحية الأولى للسائحين الصينيين، فيتخوف المسؤولون هناك من التداعيات المحتملة للحرب التجارية. ويقول مجلس السياحة في المدينة، ولديه مكاتب في أربع مدن صينية، إنه يتوقع وصول 1.2 مليون سائح صيني هذا العام، أي ضعف عدد السائحين الصينيين عام 2013.
(عن «واشنطن بوست» الأميركية)